لا تخدم الأوطان إلا بالنصب
ويدوم فينا المجد ما دام التعب
ما كان موسى في الورى إلا لأن
يعلي معاهده وإن لقي النوب
إني إلى جيشي أسير ومهجتي
قبلي تسير ولا تخاف من العطب
ستعود غيرته ويرجع بشره
وينال دين الله منا المرتقب
عباد :
إن طائر الخوف يخفق بجناحيه على قلبي، وإني أرى كما رأيت أول الأمر أن وقوع الحرب غير واجب.
حبيب :
لا، لا يا مولاي، لا تعدل عن رأيك، فإن فيه الخير للإسلام والشرف للبلاد.
موسى :
لا شك أني لاحق بجنودي؛ لأن مثلي خير له أن يموت في الاغتراب تحت ظل الخدمة الصادقة عن أن يموت ببلده بين أهله وأقاربه. (يدخل الحاجب ويقول):
مولاي، بالباب رسول معه كتاب للأمير من قبل القائد الهمام طارق بن زياد.
موسى :
من قبل طارق بن زياد؟! أطارق حي؟!
الحضور :
طارق!
عباد (يصفر وجهه ويقول بصوت منخفض) :
يا خيبة المسعى!
موسى :
كم للزمان عجائب وغرائب
تسبي العقول وتدهش الألبابا
بالأمس طارق مات بين جنوده
واليوم قد أهدى إلي كتابا
موسى للحاجب :
دعه يدخل (يدخل الرسول ويقدم الكتاب لموسى) .
موسى (يقرأ) :
من طارق بن زياد إلى أمير المغرب موسى بن نصير، أبشرك أميري لتبشر المسلمين إخواني بأننا قد فتحنا الأندلس، وأبدنا جنود الأعداء، وقد وقعت المعركة أمس بوادي لوكة، حيث قتلت طاغية الروم لذريق، والسلام. كتب بوادي لوكة في 16شعبان عام 92 من الهجرة النبوية. (سرور عام، وغوغاء ضعيفة، وزيادة اصفرار في وجه عباد.)
موسى :
عاد النهار وعادت الأنوار
وبدا لنا بعد الظلام منار
والبشر أقبل والهناء توطدت
أركانه وزهت به الأمصار
لما بدا نور الكتاب وبينت
آياته وبدت لنا الأسرار
لما علمنا أن طارق سالم
من كل ما جاءت به الأخبار
يلقى بحد السيف لذريق العدا
مهما تعاظم جيشه الجرار
أفنى الجموع وجأشه متثبت
السيف منه قاطع بتار
مرحى لطارق، ما أجل فخاره!
سيجله التاريخ والأعصار
حبيب :
كأن السرور يا مولاي قد عم قلوبنا، والفرح ملأ أفئدتنا؛ فإنه لا بد لنا من معرفة سر الأمر والوقوف على من دبره.
موسى :
كن آمنا أيها الصادق الأمين فسوف تنجلي غياهب الأمور، وتنكشف الأسرار حيث يعلم الغادر الخائن، ولنسمع الآن من هذا الرسول الكريم كيف كان الفتوح.
موسى للرسول (ملتفتا إليه) :
قص علينا ما كان من يوم ما تركتم القيروان إلى الآن.
الرسول :
إننا يا مولاي بعدما ركبنا البحور وتركنا القيروان سرنا مسيرة أسبوعين كاملين حتى وصلنا الجزيرة الخضراء، فبتنا بها ليلة وتركناها، وبعد مغادرتها بيوم وليلة وصلنا شواطئ الأندلس، فبتنا هنالك ليلة حتى استقر بنا القرار، وتركنا عصا التسيار في البحار، وبعد ذلك بدأنا في الفتح، فأخذنا بالتوالي: شدونه ومدور وعطف وقرونة وإشبيلية، وفي هذه المدينة علمنا أن جيش لذريق صار على مقربة منا؛ ولذلك قام بيننا القائد الهمام طارق بن زياد وألقى خطبة بليغة، قال في أولها: «أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم». مما جعل لها تأثيرا عظيما في قلوبنا، وقد حثنا فيها على الصبر والجلد وشوقنا إلى نيل النعيم، فحرك من قلوبنا الساكن، وبعث فينا روح النشاط والحمية، وما فرغ من خطابه حتى انبسطت نفوسنا، وتحققت آمالنا، وبتنا ليلتنا، حتى إذا ما جاء الصباح أقبل جيش لذريق - وهو محمول على سريره وفوق رأسه مظلة - فلما علم طارق أنه طاغية القوم هجم عليه حيث التقى الجيشان، فقتل طارق لذريق بسيفه، ولم تلبث جنده بعده إلا قليلا حتى انهزموا عن آخرهم، وولوا الأدبار، وتم لنا الأمر كما نروم ونشتهي.
موسى وكل الحضور :
الحمد لله رب العالمين.
موسى :
ولما كنتم في الطريق هل أرسل لنا السيد محمود كتابا مع مندوب من قبله؟
الرسول :
إنه لم يرسل قط. ولم يرسل السيد محمود وطارق رئيس الجيش؟!
موسى :
الآن آن للحق أن يظهر. (يلتفت لعباد)