تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عباد :

إني والله أتوجس خوفا من هذا الأمر، ولا أرى فيه صلاحا مطلقا.

موسى :

أظن أنهم وصلوا من مدة إلى الجزيرة الخضراء.

عباد :

علهم وصلوا إليها. (بعد ذلك يدخل الحاجب ويقول):

مولاي، بالباب ساع يقول إنه من قبل السيد محمود رئيس الفرقة الأولى من حملة الأندلس ومعه كتاب باسم مولاي الأمير.

موسى :

دعه يدخل.

عباد :

يا ترى ما بهذا الكتاب، ولم أرسله السيد محمود؟

موسى :

ولم أرسله السيد محمود ولم يرسله طارق؟ (يدخل الساعي.)

موسى :

سلم الكتاب للوزير عباد.

موسى :

اقرأه لنا يا عباد.

عباد (يقرأ الكتاب) :

من محمود رئيس الفرقة الأولى إلى أمير أفريقيا موسى بن نصير، ليس في الإمكان أن أصف لك يا مولاي ما استولى على قلوب الجنود من الأسى والحزن من ساعة ما وارينا التراب قائدنا الهمام وفارسنا المقدام طارق بن زياد عقب مرضه. وإني أرى كما يرى إخواني رؤساء الفرق أن إرجاع الجيوش إلى القيروان؛ لأن الأسف عام والكدر شامل، ويخاف على الجيش من الانهزام في الواقعة ما دام على هذا الحال، والسلام.

موسى :

آه! وا مصيبتاه! أطارق مات!

ألا أيها الموت الذي ليس تاركي

أرحني فقد أفنيت كل خليل

أراك بصيرا بالذين أحبهم

كأنك تنحو نحوهم بدليل (وتسكب عيناه الدموع.)

عباد :

تصبر يا مولاي، فإن الصبر من الأمور بمنزلة الرأس من الجسد، ولا تملأ قلبك من الأسف فإن يكن مات طارق، فقد مات شهيد خدمة دينه وبلاده، يرجو لأميره أن يعيش ممتعا بالهناء والصفاء.

حبيب :

مولاي،

ادفع بصبرك حادث الأيام

وترج لطف الواحد العلام

لا تيأسن وإن تضايق كربها

ورماك ريب صروفها بسهام

فله - تعالى - بين ذلك فرجة

تخفى على الأبصار والأفهام

موسى - لوزيريه :

يا وزيري، إن المصاب عظيم، والخطب مدلهم، والأسى مقبل، والصبر مدبر، كيف أعمل الآن في أمر إرجاع الجنود؟ إن أرجعتهم قالت الأعداء: ما كان عندهم إلا طارق. فضلا عن أنهم يطمعون في بلادنا، وإن أبقيهم فشل أمرهم وذهبت ريحهم لتمكن الحزن من قلوبهم.

عباد :

والله، لقد كان يحدثني فؤادي بأن هذه التجريدة تعسة الطالع؛ ولذلك أشرت عليك يا مولاي برفع الحرب وعدم إيقاعها، وإني أرى الآن أنه لا بد من إرجاع الجنود.

حبيب :

ليس للأمير أن يقر على شيء الآن وهو محاط بالكدر والأسف، بل يلزمه التدبير.

موسى :

نعم، إني ذاهب الآن إلى داري وسأعود بعد قليل.

عباد :

إن هذا الأمر يدعو إلى الإسراع لا إلى التواني والانتظار.

موسى :

بعد قليل أعود (يخرج ويلحق به كل من بالمكان ما عدا عباد، فإنه يبقى متلفتا حتى يأتيه نسيم).

عباد - نسيم :

اعلم يا نسيم أن الأمر كان على وشك التمام لولا معاكسة الشقي حبيب، ولكني سأنهيه بعد قليل بحسن مسعاي، وما عليك الآن إلا أن تخبر حبيبتي بذلك، وأن تقتل سليمان؛ الجندي الذي استخدمناه في حيلتنا؛ لئلا يتضح السر.

نسيم :

السمع والطاعة (كل ذلك وعارف يراقبهم ويسمع أقوالهم) .

عباد :

اذهب وإياك والتأخير.

نسيم :

لا تخف (ثم يخرج. ويستقبل عباد الأمير حيث يدخل هو ومن معه).

عباد - موسى (يقول بعد جلوس الأمير) :

على أي شيء عزم الأمير؟

موسى :

ما عزمت إلا على السفر واللحوق بالجنود؛ لأقوم بأمر الفتح بنفسي.

حبيب - موسى :

لك الله من مولى يعمل لله في الله، ويهون الخطوب للإسلام، ويسهل الصعب طلبا لعزه ومجده، لا شك أن ما رأيت يا مولاي من الرأي لأحسن ما يرى الخبير، وأحكم ما يقطع به المتبصر في الأمور.

عباد - موسى :

إني لا أرى في ذلك يا مولاي إلا كل ما يقلقل أركان المملكة، ويوقع الرعب في الرعية، ويهدم صروح الأمن والسلام. ولا شك أن الحكيم المتبصر لا يقطع إلا بإرجاع الجنود وعدم ذهابك؛ لأن فيه فضلا عما ذكرت ضررا بالأمير نفسه.

موسى - عباد :

اعلم يا عباد أن في ذهابي منة عظمى وراحة كبرى وخدمة للإسلام، لا تقدر ولا تحصى، ولا شيء من الأضرار يحيط بهذا الأمر. فإن كنت تخشى من وقوع الرعب في قلوب الرعية، فلا إخالك تدري من أمورها شيئا، وإن كنت تخاف علي فأظنك تجهل أمري جهلك لأمر دولتك.

فتح الأندلس · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتح الأندلسص ٧