تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نسيم :

لله درك يا عباد! إن هذا الرأي لأصوب ما يرى.

عباد :

الحمد لله على ذلك.

نسيم :

يلزمني الآن أن أذهب إلى السيدة مريم لأخبرها بهذا الاتفاق.

عباد :

لا لا. إن شئت فأرسلها إلي ولا تخبرها أنت.

نسيم :

الأمر أمرك (ويخرج) . (يتمشى عباد ويقول):

حكم الهوى في البرايا لا مرد له

فلا يخالفه إلا أخو اللمم

قد كنت قبل الهوى أرضى بما رضيت

به المكارم من مجد ومن شمم

اليوم أرضى بما يرضى الغرام به

من ذلة أبعدتني عن ذوي الهمم

والله لولا الهوى في الناس ما عشقت

نفسي تقهقر أهل الفضل والكرم

لكن حكم الهوى يقضي علي بأن

أخون سادة هذا العصر في الأمم (بعد ذلك تدخل عليه مريم.)

مريم :

ماذا عملت يا حبيبي عباد؟

عباد :

عملت كل شيء يرضيك يا سيدتي.

مريم :

عجل بالله عليك وأخبرني، فإني بشوق مزيد لسماع ما عملت.

عباد :

كل ما جرى أني لم أنجح في طلبي عند الأمير، وعن قريب سيسافر الجيش.

مريم :

سيسافر الجيش!

عباد :

نعم، سيسافر، ولكنه سيعود عما قليل.

مريم :

كيف ذلك؟ أخبرني بكل سرعة بالله عليك.

عباد :

اعلمي يا حبيبتي أنه لما خاب مسعاي لدى الأمير اجتمعت قبل حضورك بزمن قليل مع نسيم ودبرنا حيلة، يا لها من حيلة!

مريم :

ما هذه الحيلة؟

عباد :

افتكر نسيم أن نسم الأمير أو نسم طارقا، إلا أني رأيت أن الخطر حليف الفكرتين، فاستصوبت أن نأتي بجندي، ونكتب له رسالة وننسبها إلى الرئيس محمود، ونقول فيها: إن طارقا مات، ولا بد من إرجاع الجنود؛ لأن الحزن مستول على قلوبهم. وعندما يقدمها ذلك الجندي للأمير أشير عليه بإرجاع الجنود، فيضطر لإرجاعهم، وهنالك نقتل الجندي حتى إذا عاد الجيش، ورأى الأمير أن طارقا حي، وسألنا عن الجندي نقول: إنه مات. وبذلك لا يعلم للأمر سر.

مريم :

لله هذه الحيلة! ولله عباد! لقد اطمأن الآن خاطري على وطني، وارتاح ضميري لهذه المكيدة الجليلة، إلا أني أرى أنه من الواجب علي أن أنبهك لأمر مهم للغاية، وهو أن ذلك الجندي يكون من البربر الحديثي العهد بالإسلام؛ لأني أظن أن العرب لا يجسر أحد منهم على خيانة بلاده لهذه الدرجة.

عباد :

حقيقة إن العرب لا يجسر أحد منهم على القيام بهذه المكيدة؛ لأنهم اشتهروا بين سائر الأمم بشدة حرصهم على مصالح بلادهم، وعظيم إخلاصهم لأوطانهم، فضلا عن أن العرب أهل ذكاء وحذق شديدين، فإذا كلفنا أحدهم بهذا العمل لا شك أنه يفهم من أول لحظة أننا سنقتله بعد قيامه بمأموريته، بخلاف البربر، فإنهم أقل من أجلاف العرب نفسا، وأعظم شراهة وأكبر غباوة، ومن السهل على الإنسان أن يستخدمهم في مثل هذه الأمور.

مريم :

الحمد لله على هذا التوفيق، هيا بنا يا حبيبي نخرج من هذا المكان الآن؛ لئلا يطلع أحد على سرنا.

عباد :

هيا بنا ... (يخرجان وينزل الستار.)

| الفصل الرابع

الملخص

يرفع الستار عن الأمير موسى ووزيراه حوله ولا يلبثون غير قليل من الزمن حتى يأتي الرسول المصطنع، ويقدم الخطاب، فيتكدر موسى كدرا شديدا، ويذهب إلى بيته ليدبر أمرا، وعند ذلك يكلف عباد نسيما بقتل ذلك الجندي الذي قدم الرسالة خوفا من ظهور السر، فيجيبه لذلك ويخرج. ثم يأتي موسى ويظهر للوزيرين أنه عزم على الرحيل واللحوق بالجنود، فيحاول عباد منعه، فيأبى ، وبينما هم يتحادثون في هذا الأمر، إذ يأتي كتاب من طارق يبشر فيه المسلمين بالنصر، فيسر موسى جدا، وكذلك كل الحاضرين، ومن ثم يتغير لون عباد ويظهر من فعله وكلامه أنه سبب الدسيسة، فيأمر موسى بسجنه، ويستعد للسفر واللحوق بالجنود، ليتم الفتح مع طارق، ويولي ابنه عبد الله على المغرب، ويكلفه بإرسال عباد بعد سفره بيومين مع بعض جنود يحرسونه.

موسى :

ما عندك من أخبار يا عباد؟

عباد :

لا شيء يا مولاي، الرعية بخير وهناء، والأمن ضارب أطنابه على سائر أرجاء البلاد.

موسى :

إن سفر الجند يا عباد قد أخذ من قلبي مأخذا كبيرا، وإني أفكر كل وقت فيما سيكون.

فتح الأندلس · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتح الأندلسص ٦