أسعد الله نهارك أيها الأخ العزيز، كيف حالك؟
نسيم :
الحمد لله.
عباد :
وكيف ترى البلاد العربية؟
نسيم :
أراها مشرقة بأنوارك.
عباد :
حفظك الله، وكيف تجد أهلها.
نسيم :
أجدهم قوما لا يهمهم شيء إلا إعلاء شأن دينهم، ونصرة بلادهم، ولو كان وراء ذلك الموت الزؤام.
عباد :
أما قابلت السيدة مريم قبل حضورك هنا؟
نسيم :
نعم، إني قابلتها في الطريق.
عباد :
وكيف رأيتها؟
نسيم :
رأيتها مقطبة الوجه، خلافا لعادتها، ولما سألتها عن سبب ذلك قالت: إنك أظهرت لها عدم رغبتك في قبول رجائها، وأنه لا يمكنك أن تساعد أوطانك، وتجيب دعوة أقاربك وأهلك، فتعجبت لذلك كثيرا، وكدت ألا أصدقها لولا علمي بصدقها.
عباد :
حاشا لله أن أكون أظهرت لها أني لا أساعد بلادي أو لا أجيب دعوة أهلي وأقاربي، ولكنني حققت لها أن الضير بعيد عن بلادنا فلم تسمع مني.
نسيم :
كيف ذلك يا مولاي؟! هب أن الضير بعيد عن بلادنا، أنسيت ما كان للأندلس معنا من الروابط والعلائق القومية والدينية؟
عباد :
إني لم أنس يا نسيم كل ذلك، ولكنكم قد استعجلتم في طلبكم؛ فإني وحق من أحب وأهوى لفاعل ما يرضي وطن أجدادي، ويريح خاطركم وخاطر أهلي وعشيرتي.
نسيم :
إننا يا مولاي لم نستعجل في الطلب أبدا؛ لأنك تعلم أننا ما غادرنا بلادنا وتكبدنا هول البر والبحر حتى وصلنا إلى هنا، إلا لهذه الغاية الشريفة.
عباد :
كن آمنا يا نسيم على بلادك، واذهب الآن إلى السيدة مريم، وأعلمها أني ذاهب في هذه الساعة إلى الأمير، وسأبذل جهدي في منع وقوع الحرب، سهل الله علينا كل أمر عسير.
نسيم :
سر على التوفيق نجح الله مقاصدك (يتفارقان وتنزل الستار) .
ملحوظة
أثناء كل ما يجري في هذا الفصل يمر خلف المتكلمين رجل متجسس اسمه عارف.
| الفصل الثاني
الملخص
يرفع الستار عن الأمير موسى بن نصير أمير المغرب بالقيروان، وعلى يمينه وزيره الأول عباد، وعلى يساره وزيره الثاني حبيب، والجنود مصطفة تدعو له بالظفر والنصر، فيسعى لديه عباد في منع وقوع الحرب فيأبى، ويدعو إليه طارقا ورؤساء فرقه، وقسما من جنوده، فيأمره بالاستعداد للسفر، فيجيبه لذلك طارق، وتنشد الجنود نشيدا حماسيا يجيبهم عليه موسى، وبذلك ينتهي الفصل. (متكلم - مخاطب)
الجنود لموسى :
عش بالهنا ممتعا
يا أيها الشهم الرشيد
وارفع منار بلادنا
بالعزم والحزم المجيد
وابلغ مناك بعزمة
تأوي إلى رأي سديد
واهلك عداتك إنهم
للملك أول من يبيد
انصر بسيفك ديننا
في ظل مولانا الوليد
أبقاك رب العرش في
عز وإسعاد مديد
وأطال عمرك بالغا
في كل وقت ما تريد
موسى - عباد :
هل أجابت الخلافة العظمى والإمامة الكبرى على خطابنا المتعلق بمحاربة لذريق يا عباد.
عباد - موسى :
نعم يا مولاي، قد أجابت.
موسى - عباد :
بم أجابت.
عباد - موسى :
أجابت بتفويض الأمر إلى نظركم السامي.
عباد - موسى :
إذن لنا أن نوقع الحرب أو نرفعها.
عباد - موسى :
نعم يا مولاي.
موسى - عباد :
وماذا ترى أنت، من الصواب إيقاعها أو رفعها؟
عباد - موسى :
إني أرى أن رفعها هو الصواب؛ لأننا لسنا واثقين من أن أقواتنا أوفر من أقوات العدو، وأن جندنا أشد من جنده، فضلا على أن الحرب عندئذ لا تكون بيننا وبين القوطيين (سكان الأندلس) فقط، بل تكون بيننا وبين كل الإفرنج؛ لأن غير القوط منهم لا يرضى بوقوف القوط أمامنا وانهزامهم لنا، لا بد من أن يمد لهم يد المساعدة حتى ينصرهم علينا.
موسى - حبيب :
وأنت ماذا ترى يا حبيب؟
حبيب - موسى :
إني أرى أن رفع الحرب خطأ محض؛ لأن فتح الأندلس الآن يعد فرصة عظمى لإعلاء كلمة الله، ومهما تكن قوة الإفرنج في الحرب وثبات جأشهم في القتال، فإن جنودنا بإخلاصهم لدينهم وقوة حزمهم وعظيم عزمهم وقويم اتحادهم مع بعضهم لا بد أن ينالوا الفوز والنصر.
موسى - ملتفتا إلى عباد :
هذا هو الحق الوضاح يا عباد، إنه لا يليق بنا أن نرفع الحرب بعدما وعدنا يليان بفتح الأندلس وتخليص البلاد من أيدي الطاغية «لذريق» الذي عم فساده وكثر فسقه واعتسافه، كيف لا؟! وإنا لو لم نرفعه قالت الناس: إننا كالأطفال لا نثبت عند رأي ولا نقف عند مرام. الأجدر بك يا عباد أن تعدل عن رأيك وأن تتبع القائل: