تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عباد - مريم :

لا تخافي يا سيدتي على القسطنطينية، وكوني آمنة مطمئنة؛ فإني واثق بأن العرب إن فتحوا الأندلس لا يتجاوزون جبال الألبة أبدا.

مريم - عباد :

من ذا الذي يحقق لك هذا القول والأمور مرهونة بأوقاتها؟! هم يقولون اليوم: إننا لا نبغي إلا الأندلس. ولكنهم سيقولون في الغد إنما نبغي أن تكون لنا الأرض متاعا من مشارقها إلى مغاربها.

عباد - مريم :

لا تظني يا حبيبتي هذا الظن البعيد، واعلمي أن الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين الحالي لا يرضى بفتح غير الأندلس؛ لأنه أشد الأمراء حبا لجنوده، وهو يخاف عليهم كثيرا.

مريم - عباد :

جرد عن فكرك هذه الظنون، واعلم أن هذه الأمة الفخمة العالية البنيان، المشيدة الأركان، التي أرهبت كل إنسان، لا تهاب الأندلس ولا غيره.

تلك الأمة كالحديد لا يقطعه إلا الحديد، وأنى لنا بقوم من حديد يقدرون على مقاومة رجال هذا الشعب العظيم. الأولى بك يا عباد، إن كنت مخلصا للقسطنطينية ولمريم، أن تتلافى الأمر وهو صغير قبل أن يتسع الخرق على الراتق، وتقول يومئذ عندما ترى أهلك وأقاربك وبني وطنك في السجن يستغيثون ولا مغيث لهم، ويستعينون ولا معين لهم: يا ليتني أطعت حبيبتي مريم وسمعت نصيحتها!

عباد - مريم :

مريم، ما كنت أظن يا سيدتي أن الأمر يصل بك إلى هذا الحد وأن التأمل يبعدك عن النظر في مرآة الحقائق، فإني وحقك واثق كل الوثوق أن العرب لا يتجاوزون الألبة، ولا يفتحون غير الأندلس، وأنا أعلم منك بأسرارهم.

مريم - عباد :

عجبا لك يا عباد، ما أحبك للبلاد العربية! وما أشدك وفاء لها! وما أعظمك جفاء لبلادك الأصلية ومواطنك الأولية التي أنشأت آباءك وأجدادك الأولين! أنسيت يا عباد أن لك أهلا وأقارب ترجوك أن تمنع حرب الأندلس وتستغيث بك، أما تغيثهم وهم ذوو القربى وأقرب الناس إليك وأحبهم لديك؟! أنسيت أن لك دما يطالبك بحقوق كبيرة وواجبات عظيمة؟! ألا تؤاخذك سريرتك ويوبخك ضميرك على عظيم تقصيرك عن أداء الوطنية حقوقها والجنسية فروضها وواجباتها. كيف تقول إن القسطنطينية في مأمن من العدو، وأنت تعلم أننا ما قطعنا البوادي والبحار وركبنا متن الأخطار، أنا ومواطني نسيم، إلا لندعوك لهذا العمل الجليل الذي يحفظ لك في تاريخ بلادك أعظم شرف وأكبر مجد، ويخلد لك في نفس كل رومي تذكارا لا تمحوه الأيام، وذكرا باقيا لا تنسخه الأعصار والأعوام.

عباد - مريم :

لا تغضبي علي يا حبيبتي، واصغي لما أقول.

مريم - عباد :

دعني، فما كنت إخالك هكذا خائنا لبلادك. (وتخرج.) (بعد ذلك يخاطب نفسه مندهشا بين وقوف وتمش.)

خائنا لبلادي؟! يا لها من كلمة أصابت فؤادي، أإلى هذا الحد بلغ كدرها وتعاظم غضبها! تالله لأرضينها وأخلص بلاد الأندلس من أيدي هؤلاء الطماعين. (ثم يهم بالخروج ولكنه يرجع متفكرا ويقول)

آه، ولكن هم العرب أسيادي وأرباب نعمتي، وأصل مجدي وسعادتي، كيف أخونهم؟! تالله إن هذا يعد لؤما كبيرا، يا ربي، ماذا أعمل؟! إن قمت للعرب بالواجب أغضبت حبيبتي مريم، ولربما كان ذلك سببا لضياع بلادي، وهو ما لم أحبه ولا أحبه طوال حياتي، وإن قمت لأوطاني العزيزة بما يجب علي لها خنت قوما أنزلوني من بينهم منزلة شماء وأحلوني مكانة علياء، وعودوني بعوائدهم، وربوني على أخلاقهم وفضائلهم، يا ربي كيف العمل؟! (ثم يفكر قليلا متمشيا ويقول)

ليس لي والله أن أستعمل الخداع مع العرب، وأقبح لهم الحرب، وما ينجم عنها، وأحسن لهم منعها؛ وبذلك أكتسب رضا الجانبين؛ تبقى دولة العرب كما هي والقسطنطينية كما هي. (ثم يسكت متفكرا ويقول)

نعم، إن هذا لهو الرأي الصواب (بعد ذلك يدخل نسيم وهو الذي أتى بصحبة السيدة مريم من القسطنطينية) .

نسيم - عباد :

أسعد الله نهار سيدي الكريم.

عباد - نسيم :

فتح الأندلس · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتح الأندلسص ٢