وطبع هذا الديوان بكمبردج سنة 1876 في مجلدين: الأول منهما فيه الديوان مع تعليقات وهوامش، وفي أوله مقدمة تشتمل على ما للشعر من منزلة سامية عند العرب، وعلى ترجمة صاحب الديوان، والثاني ترجمة للديوان بالإنجليزية منظومة شعرا وعليها شروح، طبعه أدور هنري پالمر مدرس اللغة العربية بمدرسة كمبردج الذي قتله بعض العرب ببادية طور سينا سنة 1882 أثناء الحوادث العرابية.
ويقول صاحب «اكتفاء القنوع بما هو مطبوع»: «إن ديوان البهاء زهير طبع أيضا في باريس سنة 1883 مع القراءات المتنوعة للمتن الأصلي العربي.» •••
كانت للشعر نهضة، كما قلنا، في عهد الفاطميين فالأيوبيين، والبهاء زهير من أئمة النهضة الشعرية في عصر بني أيوب.
وعبقرية البهاء زهير في هذه النهضة تتجلى من نواح ثلاث: (1)
ناحية الأسلوب. (2)
ناحية الأوزان. (3)
ناحية الموضوعات التي يتناولها الشعر.
الناحية الأولى ناحية الأسلوب
كان عصر البهاء زهير من جهة اللغة شبيها بعصرنا هذا، ففيه لهجة يستخدمها الناس في معايشهم ومعاملاتهم، ويعبرون بها عن أفكارهم وعواطفهم في حياتهم اليومية؛ ولهم لهجة أخرى لا يلجئون إليها إلا إذا عالجوا النظم أو حاولوا الإنشاء. كانت لغة الحياة في شتى مظاهرها لغة ملحونة، ولكنها تساير الحياة في حركتها وانتقالها، وتصل بسهولة إلى أفهام العامة والخاصة. وكانت لغة الشعر والكتابة لغة مستقيمة الإعراب تتسامى عن التبدل للعامة، وتحاول أن تتصل بأساليب الشعر القديم والنثر القديم، باعتبار تلك الأساليب قوالب ينبغي أن يصب فيها شعر ما يتلو من العصور ونثره، ووجد من الشعراء والكتاب من كان همه أن يزيد لغة القريض والإنشاء تعاليا على لغة العامة باختيار العبارات الجزلة، القليلة الاستعمال، البعيدة عن الابتذال، وبالتأنق في تزيين الأساليب الشعرية والنثرية بالمحسنات البديعية التي قد يكون لبعضها تقدير من الجهة الصناعية؛ لكنها بعيدة عن جمال البيان والوضوح.
أما البهاء زهير فجاء بمذهب جديد، فجعل لغة الحياة الجارية في بساطتها ومرونتها لغة للشعر بعد تطبيقها على قواعد الإعراب، وتقويم ما فيها من اللحن جهد المستطاع؛ وجرى على ذلك فيما كانت تجيش به نفسه، وتفيض به عواطفه من فنون الشعر.
وشعر البهاء زهير كما هو مرآة صادقة لعصره بما فيه من فيض الطبع والبعد عن التكلف، هو أيضا مرآة لعصره من حيث اللغة والتعبير، والروح المصري يتجلى في هذا الشاعر القوصي الصعيدي بأكثر مما يتجلى في أي شاعر مصري عرفناه في القديم والحديث.
وللبهاء زهير في بعض قصائده تشوق إلى الصعيد:
أحن إليكم كل يوم وليلة
وأهذي بكم في يقظتي ومنامي
فلا تنكروا طيب النسيم إذا سرى
إليكم فذاك الطيب فيه سلامي
فهل عائد منكم رسولي بفرحة
كفرحة حبلى بشرت بغلام؟
ويرتاح قلبي للصعيد وأهله
وعيش مضى لي عندكم ومقام
وأهوى ورود النيل من أجل أنه
يمر على قوم لدي كرام
ويطول بنا القول لو أردنا أن نستقصي في شعر البهاء زهير نفحات مصريته في التعبير والذوق، ودلائل ديمقراطيته في اللغة وإن كان أرستقراطي المنازع والأخلاق.
على أننا نذكر لذلك نماذج نحيل على ديوانه لاستيفائها، ولا يفوتنا أن نشير إلى أن من نفحات المصرية في أسلوب البهاء زهير كثرة الحلف في شعره، فقلما تخلو قصيدة له من يمين، حتى ليقول:
ووالله ما فارقتكم من ملالة
ووالله ما أحتاج أني أحلف •••
لعلكم قد صدكم عن زيارتي
مخافة أمواه لدمعي وأنواء
فلو صدق الحب الذي تدعونه
وأخلصتم فيه مشيتم على الماء
وإن يك أنفاسي خشيتم لهيبها
وهالتكم نيران وجد بأحشائي
فكونوا رفاعيين في الحب مرة
وخوضوا لظى نار لشوقي حراء
حرمت رضاكم إن رضيت بغيركم
أو اعتضت عنكم في الجنان بحوراء •••
قلبي لديك فكيف أن
ت على البعاد وكيف قلبي؟ •••