تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وانتقال والد البهاء زهير من مكة إلى قوص في تاريخ غير معروف، إلا أن كلام المؤرخين، كابن خلكان، يفيد أن البهاء زهيرا قضى زمن صباه في الصعيد، ونشأ الود بينه وبين ابن مطروح في ذلك العهد.

وربما يسبق إلى الظن أن البهاء زهيرا كان طفلا حين هاجرت أسرته إلى وادي النيل؛ لكنا نجد في شعره قصيدتين يذكر فيهما عهده بالحجاز؛ أما أولاهما فهي:

أحن إلى عهد المحصب من منى

وعيش به كانت ترف ظلاله

ويا حبذا أمواهه ونسيمه

ويا حبذا حصباؤه ورماله

ويا أسفى إذ شط عني مزاره

ويا حزني إذ غاب عني غزاله

وكم لي بين المروتين لبانة

وبدر تمام قد حوته حجاله

مقيم بقلبي حيث كنت حديثه

وباد لعيني حيث سرت خياله

وأذكر أيام الحجاز وأنثني

كأني صريع يعتريه خباله

ويا صاحبي بالخيف كن لي مسعدا

إذا آن من بين الحجيج ارتحاله

وخذ جانب الوادي كذا عن يمينه

بحيث القنا يهتز منه طواله

هناك ترى بيتا لزينب مشرقا

إذا جئت لا يخفى عليك جلاله

فعرض بذكري حيث تسمع زينب

وقل ليس يخلو ساعة عنك باله

عساها إذا ما مر ذكري بسمعها

تقول: فلان عندكم كيف حاله؟

والقصيدة الثانية هي:

سقى الله أرضا لست أنسى عهودها

ويا طول شوقي نحوها وحنيني

منازل كانت لي بهن منازل

وكان الصبا إلفي بها وقريني

تذكرت عهدا بالمحصب من منى

وما دونه من أبطح وحجون

وأيامنا بين المقام وزمزم

وإخواننا من وافد وقطين

زمان عهدت الوقت لي فيه واسعا

كما شئت من جد به ومجون

إذ العيش نضر فيه للعين منظر

وإذ وجهه غض بغير غضون

وليست ذكريات طفل هذه الذكريات التي يحن البهاء زهير إلى عهدها بين المقام وزمزم، فلا بد أن يكون شاعرنا جاء إلى قوص فتى مستكملا.

قال المؤرخون: وانتقل البهاء زهير من قوص بعد أن ربي فيها وقرأ الأدب وسمع الحديث، وبرع في النظم والنثر والترسل، ووصل إلى القاهرة فاتصل بخدمة السلطان الملك الصالح أبي الفتح نجم الدين أيوب في حياة أبيه الكامل أيام كان نائبا عنه.

ويظهر أن البهاء زهيرا كان اتصل قبل ذلك بخدمة الأمير مجد الدين إسماعيل بن اللمطي الذي هنأه شاعرنا سنة 607 لتوليه أعمال القوصية بقصيدة هي أول مديحه - كما في طبعة پلمر - مطلعها:

تمليته يا لابس العز ملبسا

وهنئته يا غارس الجود مغرسا

ومنها:

به أصبحت قوص إذا هي فاخرت

أعز قبيل في الأنام وأنفسا

ومنها:

لقد شرفت منه الصعيد ولاية

وأصبح واديه به قد تقدسا

ونجد للبهاء زهير قصائد في مدح هذا الأمير يلتمس في بعضها العون منه؛ كقوله:

عسى نظرة من حسن رأيك صدفة

تسوق إلى جدبي بها الماء والكلا

فهأنذا أشكو الزمان وصرفه

وتأنف لي علياك أن أتبدلا

مقيم بأرض لا مقام بمثلها

ولولاك ما أخرت أن أتحولا

فجد لي بحسن الرأي منك لعلني

أرى الدهر مما قد جرى متنصلا

وهل كنت إلا السيف خالطه الصدى

فكنت له يا ذا المواهب صيقلا

ونجد في ديوان البهاء زهير مدحا للأمير وتهنئة بشهر الصوم سنة 609 في قصيدة تفيض بالشكر والثناء، منها:

مولى بدا من غير مسألة بما

جاز المدى كرما وعاد كما بدا

وأنال جودا لا السحاب ينيله

يوما وإن كان السحاب الأجودا

وفي قصائد أخرى مدح وثناء أيضا؛ كالقصيدة التي مطلعها:

لها خفر يوم اللقاء خفيرها

فما بالها ضنت بما لا يضيرها؟

وما نالني من أنعم الله نعمة

وإن عظمت إلا وأنت سفيرها

ومن بدأ النعمى وجاد تكرما

بأولها يرجى لديه أخيرها

ثم نجد بعد ذلك شعرا للبهاء زهير في مدح الأمير مجد الدين اللمطي ينم عن شكوى وعتب. وفي بعض القصائد تصريح بأن البهاء زهيرا كان كاتبا للأمير ثم انفصل من خدمته، ففي سنة 619 أو سنة 912 (على نسختين مختلفتين من نسخ الديوان أرجح أولاهما)، قال البهاء زهير في الأمير مجد الدين بن إسماعيل بن اللمطي قصيدته التي أولها:

لنا عندكم وعد فهلا وفيتم

وقلتم لنا قولا فهلا فعلتم

حفظنا لكم ودا أضعتم عهوده

فشتان في الحالين نحن وأنتم

البهاء زهير · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البهاء زهيرص ٤