والعتكي (بفتحتين) نسبة إلى العتيك: بطن من قبيلة الأزد. والأزد هي أزد شنوءة، ويقال الأسد بالسين.
ويصف بعض المؤرخين البهاء زهيرا بالحجازي، ويصفه بعضهم بالمصري، ويجمع له آخرون بين الوصفين.
ولئن كان مولد البهاء زهير بمكة أو بوادي نخلة بالقرب من مكة، في روايتين رواهما ابن خلكان الذي عرفه واجتمع به، فإن البهاء زهيرا مصري المنشأ، مصري الروح، مصري العاطفة، وهو القائل:
فرعى الله عهد مصر وحيا
ما مضى لي بمصر من أوقات
حبذا النيل والمراكب فيه
مصعدات بنا ومنحدرات
هات زدني من الحديث عن الني
ل ودعني من دجلة والفرات
وليالي بالجزيرة والجي
زة فيما اشتهيت من لذات
بين روض حكى ظهور الطواوي
س وجو حكى بطون البزاة
حيث مجرى الخليج كالحية الرق
طاء بين الرياض والجنات
والقائل:
ولم أر مصرا مثل مصر تروقني
ولا مثل ما فيها من العيش والخفض
وبعد بلادي فالبلاد جميعها
سواء، فلا أختار بعضا على بعض
والقائل:
أأرحل عن مصر وطيب نعيمها
وأي مكان بعدها لي شائق
وأترك أوطانا ثراها لناشق
هو الطيب لا ما ضمنته المفارق
بلاد تروق العين والقلب بهجة
وتجمع ما يهوى نقي وفاسق
وهو الذي يقول أيضا:
سقى واديا بين العريش وبرقة
من الغيث هطال الشآبيب هتان
وحيا النسيم الرطب عني إذا سرى
هنالك أوطانا إذا قيل أوطان
بلاد متى ما جئتها جئت جنة
لعينك منها كلما شئت رضوان
تمثل لي الأشواق أن ترابها
وحصباءها مسك يفوح وعقيان
فيا ساكني مصر تراكم علمتم
بأني ما لي عنكم الدهر سلوان
وما في فؤادي موضع لسواكم
ومن أين فيه وهو بالشوق ملآن؟
عسى الله يطوي شقة البعد بيننا
فتهدأ أحشاء وترقأ أجفان
علي بذاك اليوم صوم نذرته
وعندي على رأي التصوف شكران
ومن كان هذا هتافه بحب مصر فهو مصري وإن كان مسقط رأسه بلاد الحجاز بإجماع من ترجموا له. •••
ولد البهاء زهير خامس ذي الحجة سنة 581 (27 فبراير سنة 1186)، وتوفي قبل مغرب يوم الأحد رابع ذي القعدة من سنة 656 (2 نوفمبر سنة 1258) بوباء حدث بمصر والقاهرة ذلك العام، ودفن من الغد بعد صلاة الظهر بتربته في القرافة الصغرى غير بعيد من قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه في جهتها القبلية.
ونشأ البهاء زهير في مدينة قوص بالصعيد الأعلى كما ذكره السيوطي في «حسن المحاضرة». ولم يذكر ابن خلكان في ترجمته الطويلة للبهاء زهير نسبته إلى قوص، لكنه ذكر في ترجمته لجمال الدين بن مطروح أنه كان بين الاثنين صحبة قديمة من زمن الصبا، وإقامتهما ببلاد الصعيد حتى كانا كالأخوين، وليس بينهما فرق في أمور الدنيا، ثم اتصلا بخدمة الملك الصالح وهما على تلك المودة. وابن مطروح من مدينة أسيوط، وقوص يومئذ هي أكبر مدن الصعيد، وليس بأرض مصر بعد الفسطاط مدينة أعظم منها، وهي باب مكة واليمن والنوبة وسواكن، حفلة الأسواق، متسعة المرافق، فيها تنزل القوافل الواردة من بحر الهند والحبش واليمن والحجاز، وفيها كثير من الفنادق والبيوت الفاخرة، والحمامات والمدارس والبساتين، ويسكنها أرباب الصنائع والفنون والتجار والعلماء والأغنياء، وكانت ملتقى الحجاج المغاربة والمصريين والإسكندريين ومن يتصل بهم، منها يذهبون إلى جدة وإليها انقلابهم في صدورهم من الحج.
وقوص من قديم الزمان منبع العلم والعلماء، ويقول صاحب كتاب «الطالع السعيد الجامع لأسماء الفضلاء والرواة بأعلى الصعيد»، وهو كمال الدين أبو الفضل جعفر بن ثعلب بن جعفر الأدفوي، المتوفى سنة (748ه/1347م): إن بقوص ستة عشر مكانا للتدريس.
ولم يرد للبهاء زهير ذكر في كتاب الأدفوي إلا عرضا.
ولم يحدثنا أحد ممن ترجموا للبهاء زهير عن سيرة أبيه، غير أنا وجدنا في نسخة خطية قديمة بدار الكتب المصرية لديوان شعر البهاء زهير - رقم 2051 أدب - وصف أبيه «بالعارف محمد قدس الله روحه»، وينعت بذلك في العادة أهل الصلاح والتقوى.