ومنها:
فيا تاركي أنوي البعيد من النوى
إلى أي قوم بعدكم أتيمم؟
ألا إن إقليما نبت بي داره
وإن كثر الإثراء فيه لمعدم
وإن زمانا ألجأتني صروفه
فحاولت بعدي عنكم لمذمم
وأعلم أني غالط في فراقكم
وأنكم في ذاك مثلي وأعظم
فلا طاب لي عنكم مقام بموطن
ولو ضمني فيه المقام وزمزم
ومثلك لا يأسى على فقد كاتب
ولكنه يأسى عليك ويندم
فمن ذا الذي تدنيه منك وتصطفي
فيكتب ما توحي إليه ويكتم
ومن ذا الذي ترضيك منه فطانة
تقول فيدري أو تشير فيفهم
وما كل أزهار الرياض أريجة
وما كل أطيار الفلا تترنم
ومن قصائده التي تنم عن العتب قصيدة مطلعها:
أعلمتم أن النسيم إذا سرى
نقل الحديث إلى الرقيب كما جرى
ومنها:
مولاي مجد الدين عطفا إن لي
لمحبة في مثلها لا يمترى
يا من عرفت الناس حين عرفته
وجهلتهم لما نبا وتنكرا
خلق كماء المزن منك عهدته
ويعز عندي أن يقال تغيرا
مولاي لم أهجر جنابك عن قلى
حاشاي من هذا الحديث المفترى
وكفرت بالرحمن إن كنت امرأ
يرضى لما أوليته أن يكفرا
وقال البهاء زهير أيضا يمدح هذا الأمير وقد انفصل من خدمته:
آيات مجدك ما لها تبديل
وعلو قدرك ما إليه سبيل
أسفي على زمن لديك قطعته
وكأنني للفرقدين نزيل
وإذا انتسبت بخدمتي لك سابقا
فكأنها لي معشر وقبيل
هذا هو الأدب الذي أنشأته
فاهتز منه روضه المطلول
وربما دل كل ذلك على أن هجرة البهاء زهير من قوص إلى القاهرة كانت بعد انفصاله من خدمة اللمطي بعد سنة 619، ولعل هجرته للاتصال بخدمة الملك الصالح كانت فيما حوالي سنة 622؛ فإنا نجد له قصيدة في هذا العهد مدح بها الصالح - ستأتي الإشارة إليها - وقد يكون اتصل قبل الملك الصالح بأخيه الملك المسعود صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن الملك الكامل؛ فإن في ديوان شاعرنا قصيدة مدح بها هذا الملك لما قدم من اليمن سنة 620، كما في طبعة پلمر، وأول هذه القصيدة:
لكم أينما كنتم مكان وإمكان
وملك له تعنو الملوك وسلطان
ومنها:
هو الملك المسعود رأيا وراية
له سطوة ذلت لها الإنس والجان
غدا ناهضا بالملك يحمل عبئه
وأقرانه ملك المكاتب ولدان
وتهتز أعواد المنابر باسمه
فهل ذكرت أيامها وهي قضبان؟
ومنها:
أعلل نفسي بالمواعيد والمنى
وقد مر أزمان لذاك وأزمان
أرى أن عزي من سواك مذلة
وأن حبائي من سواك لحرمان
وليس غريبا من إليه اغترابه
له منه أهل حيث كان وأوطان
وقد قرب الله المسافة بيننا
فها أنا يحويني وإياه إيوان
وقال يمدحه بعد رجوعه من اليمن، وأرسل بها من قوص إلى مصر سنة 621:
أتتك ولم تبعد على عاشق مصر
ووافاك مشتاقا لك المدح والشعر
إلى الملك المسعود ذي البأس والندى
فأسيافه حمر وساحاته خضر
وتوجه البهاء زهير في خدمة الملك الصالح إلى البلاد الشرقية إلى أن أتى ملك الصالح مدينة دمشق ، فانتقل إليها في خدمته، وأقام كذلك إلى أن جرت الكائنة المشهورة على الملك الصالح وخرجت عنه دمشق، وخانه عسكره وهو بنابلس وتفرقوا عنه، وقبض عليه الملك الناصر داود صاحب الكرك واعتقله بقلعة الكرك. وأقام بهاء الدين زهير بنابلس وفيا لصاحبه، ولم يتصل بغيره؛ ولم يزل على ذلك حتى خرج الملك الصالح وملك الديار المصرية، فعاد إليها في خدمته. وذلك في أواخر ذي القعدة سنة 637ه.
ويقول صاحب كتاب النجوم الزاهرة: إن البهاء زهيرا دام في خدمة الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى أن توفي الملك الصالح.
وفي صبح الأعشى: أن الملك الصالح نجم الدين أيوب حين تولى ملك مصر ولى ديوان الإنشاء الصاحب بهاء الدين زهيرا، ثم صرفه وولى بعده الصاحب فخر الدين بن لقمان الأسعردي، فبقي إلى انقراض الدولة الأيوبية.
وفي حسن المحاضرة: ثم ولي ديوان الإنشاء الصاحب بهاء الدين زهير الشاعر المشهور، ثم صرف وولي بعده الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان الأسعردي، وأقام إلى انقراض الدولة الأيوبية.