تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عين البهاء زهير رئيسا لديوان الإنشاء في الدولة الأيوبية، فحل محلا كان القاضي الفاضل صاحبه من قبل، وتولاه بعده تلميذان من أتباع مذهبه.

جاء البهاء زهير والطريقة الفاضلية في عنفوان مجدها، فابتدع هو في الشعر والإنشاء نمطا جديدا خرج به عن التقاليد المرسومة في صور المخاطبات وفي الأساليب؛ فهو موجز لا يحب الإطناب، وهو مقتصد في زينة اللفظ، وهو نزاع إلى الوضوح والبساطة، فلا يرضى كثرة المجاز والكناية، وهو عدو للجمود على نظم في البيان تقتل مواهب الإبداع والتفنن.

ثم هو لا يريد أن يستبدل الناس بكلامهم العادي كلام الجاهلية الأولى إذا نظموا الشعر أو كتبوا، وإنما يريد أن يصحح الشعراء والكتاب أساليبهم على مقتضى القواعد العربية، حتى لا تنقطع الصلة بين ماضيهم وحاضرهم، من غير أن يجني ذلك على سهولة التفاهم، ولا على حركة اللغة ونموها وحياتها.

هذا المذهب الجديد في إصلاح الأدب العربي لم يلق في ذلك العصر ما يمده ويقويه، ولم يكن البهاء زهير بفطرته السمحة، وخلقه الوديع، رجل كفاح يجاهد متحمسا في سبيل دعوة لمذهب جديد.

لم يرق لكثير من الأذواق التي أفسدها التقليد هذا المذهب الذي يفك عنها قيودها، ويخلصها من التكلف إلى مسايرة الفطر. ولقد أغفل المؤرخون الذين وقفنا على مؤلفاتهم شأن البهاء زهير في ديوان الإنشاء، حتى من تخصص منهم بهذا الموضوع؛ كالقلقشندي صاحب كتاب صبح الأعشى، فلم يرو لنا منهم أحد شيئا من الرسائل التي كتبت بقلمه على كثرة ما نقلوا من رسائل كتاب هم دونه مقاما.

وكل ما عثر عليه من ذلك رسالته في الرد على كتاب لويس التاسع ملك فرنسا إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب، وسنعرض لها فيما بعد.

ذكر هذه الرسالة الإسحاقي في تاريخه، ثم أوردها المقريزي في خططه، ونقلها علي مبارك باشا في الخطط التوفيقية.

وهذه الرسالة المفردة تهدي - عند مقارنتها بما كان يكتبه القاضي الفاضل والعماد الكاتب وأضرابهما - إلى المنازع التي اختص بها البهاء زهير، ويعين على ذلك ديوان شعره، وعسى أن يوفق الباحثون إلى أخوات لهذه الرسالة تزيدنا علما بطريقة البهاء زهير وخصائصها.

هذا، ولست أعرف شاعرا نفخت مصر فيه من روحها ما نفخت في البهاء زهير، فهو مصري في عواطفه، وفي ذوقه، وفي لهجته إلى الغاية القصوى، وإن كان مولده في بلاد الحجاز.

من أجل ذلك كله وضعت هذا البحث في البهاء زهير الشاعر المصري، إحياء لذكرى رجل جدير أن يحيا بيننا تذكاره، وقد سبقني في العام الماضي إلى نشر بحوث في البهاء زهير وشعره الأستاذان المنشاوي والسقا، المدرسان بالمدارس الثانوية الأميرية، والأستاذ الشايب، المدرس بالجامعة المصرية، واطلعت على ما كتبوا بعد أن فرغت من رسالتي.

وقد تحرى الأساتذة مطابقة المنهج الذي وضعته وزارة المعارف لدرس الأدب العربي وتاريخه، فلهم في البحث وجهة غير وجهتي. وهذا ما يسوغ لي أن أنشر رسالتي بعد أن نشروا كتابيهم القيمين، معترفا بفضلهم، مثنيا عليهم جميل الثناء.

مصطفى عبد الرازق

مصر في مارس 1930

| البهاء زهير

أبو الفضل

1

زهير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن منصور بن عاصم المهلبي العتكي الأزدي، الملقب بهاء الدين، المعروف بالبهاء زهير.

والمهلبي نسبة إلى المهلب بن أبي صفرة، فالبهاء زهير ينتسب إلى المهلب الذي كان من أشجع الناس، وكان سيدا جليلا.

روي أنه قدم على عبد الله بن الزبير أيام خلافته بمكة، فخلا به عبد الله يشاوره، فدخل عليه عبد الله بن صفوان بن أمية القرشي، فقال: «من هذا الذي قد شغلك يا أمير المؤمنين يومك هذا؟ قال: أما تعرفه؟ قال: لا؛ قال: هذا سيد أهل العراق، قال: فهو المهلب بن أبي صفرة! فقال المهلب: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: سيد قريش، قال: فهو عبد الله بن صفوان! قال: نعم. وتوفي المهلب سنة اثنتين وثمانين، وخلف عدة أولاد نجباء أجوادا أمجادا، وتسلسل المجد في ذريته زمنا طويلا.

البهاء زهير · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البهاء زهيرص ٢