تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن لي نفسا علي عزيزة

وفي الناس عشاق بغير نفوس

ويظهر في غزل البهاء زهير صدق اللهجة وكمال الفهم لجمال المرأة والتأثر به:

فلا تقرعوا بالعتب قلبي فإنه

وحقكم مثل الزجاج صديع

سأبكي وإن تنفد دموعي عليكم

بكيت بشعر رق فهو دموع

أحب البديع الحسن معنى وصورة

وشعري في ذاك البديع بديع

وله في العشق وتقديره نظر دقيق، فهو يقول:

ملأتم فؤادي بالهوى فهو مترع

ولا كان قلب في الهوى غير مترع

ويقول أيضا:

لحى الله قلبا بات خلوا من الهوى

وعينا على ذكر الهوى ليس تذرف

وإني لأهوى كل من قيل عاشق

ويزداد في عيني جلالا ويشرف

وما العشق في الإنسان إلا فضيلة

تدمث من أخلاقه وتلطف

يعظم من يهوى ويطلب قربه

فتكثر آداب له وتظرف •••

أعشق الحسن والملاحة والظر

ف وأهوى مكارم الأخلاق •••

إني لأهوى الحسن حيث وجدته

وأهيم بالغصن الرشيق وأعشق •••

فكل ضلال في هواك هداية

وكل شفاء في هواك نعيم •••

لام في الحب أناس

وهو أخلاق الكرام

ما أرى الناس سوى العش

اق من كل الأنام

ويقول:

جزى الله عني الحب خيرا فإنه

به ازداد مجدي في الأنام وعليائي

وصير لي ذكرا جميلا لأنني

أحسن أفعالي لتحسن أسمائي

وقد يكون في هذا النظم بعض الضعف، ولكنه يعبر عن معنى من أشرف المعاني وألطفها.

وغزل البهاء زهير فن في الأدب العربي خرج عن صور الغزل التي رسمتها التقاليد؛ فليس بكاء على الأطلال والدمن، ولا وصفا لسفر الحبيب على ناقته تجوب الصحراء، ولكنه حكاية لما يجري بين الأحباب في الحياة وما يتبادلونه من حوار وعتاب، ونعت لمجالس ممتعة بين عاشقين، ووصف للحب نفسه وما يحدث في نفس المحب من نزوع إلى الكمال.

وقصائد البهاء زهير تكون عبارة عن موضوع متصل المعاني لا تجد فيه ما تجد في غالب الشعر العربي من تنقل واستطراد يكاد يفقد الصلة بين أجزاء الشعر الواحد، ويلاحظ أن البهاء زهيرا لا يتحرج من استعمال العبادة في الحب، وهو نادر في الشعر العربي، وذلك كقوله:

ومن العجائب فعله بمحبه

يصليه نارا وهو من عباده

وقوله:

سأشكر حبا زان فيك عبادتي

وإن كان فيه ذلة وخضوع

أصلي وعندي للصبابة رقة

فكل صلاتي في هواك خشوع

وقوله:

لي حبيب عبدته

ويح من يعبد الوثن

ومن الفنون الجديدة في شعر البهاء زهير تسجيله لمشاهد وصور تنم عن حبه لوطنه، وتذوقه لما فيه من نعيم طبعي وغير طبعي، ونذكر من أمثلته:

لله بستاني وما

قضيت فيه من المآرب

لهفي على زمني به

والعيش مخضر الجوانب

ولكم بكرت له وقد

بكرت له أيدي السحائب

فيروقني والجو من

ه ساكن والقطر ساكب

والطل في أغصانه

يحكي عقودا في ترائب

وتفتحت أزهاره

فتأرجت من كل جانب

وبدا على دوحاته

ثمر كأذناب الثعالب

وكأنما آصاله

ذهب على الأوراق ذائب

فهناك كم ذهبية

لي في الولوع بها مذاهب •••

علا حس النواعير

وأصوات الشحارير

وقد طاب لنا وقت

صفا من غير تكدير

فقم يا ألف مولاي

أدرها غير مأمور

وخذها كالدنانير

على رغم الدنانير

أدرها من سنا الصبح

تزد نورا على نور

عقارا أصبحت مث

ل هباء غير منثور

بدت أحسن من نار

رأتها عين مقرور

نزلنا شاطئ النيل

على بسط الأزاهير

وقد أضحى له بالمو

ج وجه ذو أسارير

وفي الشط حباب مث

ل أنصاف القوارير

تسابقنا إلى اللهو

ووافينا بتبكير

وفينا رب محراب

وفينا رب ماخور

ومن قوم مساتير

ومن قوم مساخير

ومن جد ومن هزل

ومن حق ومن زور

فطورا في المقاصير

وطورا في الدساكير

ورهبان كما تدري

من القبط النحارير

وفيهم كل ذي حسن

من الإحسان موفور

وتال للمزامير

بصوت كالمزامير

وفي تلك البرانيس

بدور في دياجير

وجوه كالتصاوير

تصلي للتصاوير

ومن تحت الزنانير

خصور كالزنابير

أتيناهم فما بقوا

ولا ضنوا بمذخور

لقد مر لنا يوم

من الغر المشاهير

على ما خلته من غي

ر ميعاد وتقدير

فقل ما شئت من قول

وقدر كل تقدير

ويستطيع الناظر في شعر البهاء أن يستخرج أحوال عصره في كثير من الشئون؛ فهو يشير إلى عادات وشئون دينية وغير دينية، وموضوعات شعره متصلة بعواطفه وبحياة زمنه أشد الاتصال؛ بخلاف غيره من الشعراء الذين يكون شعرهم صورة لحياة غير حياتهم، وعواطف غير عواطفهم.

البهاء زهير · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البهاء زهيرص ٢٠