تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وافتضحنا واسترحنا

أستعفر الله! هم لا يريدون ذلك؛ بل ولا يقدرون عليه، فإنما هو السهل الممتنع، كما يقول ابن خلكان، ولا بد من عبقرية كعبقرية البهاء زهير لتوفق هذا التوفيق في إنشاء أشعار من الطراز الأول، يطرب لها الخاصة، ولا تكون العامة أقل بها طربا، بلسان هو لسان التحاور ولسان البيوت والأسواق.

لم يكن البهاء زهير عاجزا عن مجاراة غيره من الشعراء المتزمتين في تخير الألفاظ العربية، المتأنقين في تزيينها بالمحسنات؛ فقد كان رجلا عالما درس الأدب والدين، وعرف من أخبار العرب الجاهلية والإسلامية ما ينم عليه شعره؛ إذ يشير إلى الحوادث، ويذكر أسماء كثيرين من الشعراء وغير الشعراء، واختياره لكتابة السر في عهد الأيوبيين دليل على منزلته من الرياسة العلمية والأدبية في ذلك العصر.

بل البهاء زهير قد سلك مسلك غيره من الشعراء في تعبيراتهم وتفكيراتهم في مدائحه. ومدائح البهاء زهير - في غالبها - دون سائر فنونه الشعرية طرافة وإبداعا، مع أنه شاعر القصر في عهد الأيوبيين، كما يقول هيار، ومن أمثلة هذه المدائح:

لك الله من وال ولي مقرب

فكم لك من يوم أغر محبب!

حللت من المجد الممنع في الورى

بأرفع بيت في العلاء مطنب

يقصر عن أمثاله كل قيصر

ويغلب عن أمثاله كل أغلب

جواد متى تحلل بواديه تلقه

كما قيل في آل الجواد المهلب

أحق بما قال ابن قيس لمالك

وأولى بما قال ابن أوس لمصعب

ولو شاهد العجلي جدواه ما انتمى

لعكرمة الفياض يوما وحوشب

ومن قصيدة له يمدح بها السلطان الملك الناصر يوسف بن محمد بن عادي بن يوسف بن أيوب:

ومذ كنت لم ترض النقيصة شيمتي

ومثلك يأباها لمثلي ويأنف

ولا أبتغي إلا إقامة حرمتي

ولست لشيء غيرها أتأسف

ونفسي بحمد الله نفس أبية

فها هي لا تهفو ولا تتلهف

ولكن أطفالا صغارا ونسوة

ولا أحد غيري بهم يتلطف

أغار إذا هب النسيم عليهم

وقلبي لهم من رحمة يترجف

سروري أن يبدو عليهم تنعم

وحزني أن يبدو عليهم تقشف

ذخرت لهم لطف الإله ويوسفا

ووالله لا ضاعوا ويوسف يوسف

أكلف شعري حين أشكو مشقة

كأني أدعوه لما ليس يؤلف

وقد كان معتادا لكل تغزل

تهيم به الألباب حسنا وتشغف

يلوح عليه في التغزل رونق

ويظهر في الشكوى عليه تكلف

وما زال شعري فيه للروح راحة

وللقلب مسلاة وللهم مصرف

يناغيك فيه الظبي والظبي أحور

ويلهيك فيه الغصن والغصن أهيف

شكوت وما الشكوى إليك مذلة

وإن كنت فيها دائما أتأنف

وله قصيدة في مدح الأمير النصير اللمطي، أولها:

صفحا لهذا الدهر عن هفواته

إذ كان هذا اليوم من حسناته

يوم يسطر في الكتاب مكانه

كمكان باسم الله في ختماته

ومنها:

يا معجز الأيام قرع صفاته

ومجمل الدنيا بحسن صفاته

قوم هم في البيد خير سراتها

حسبا وهم في الدهر خير سراته

شرف الزمان بكل ندب منهم

متيقظ وهب العلا غفلاته

يا منسك المعروف أحرم منطقي

زمنا وقد لباك من ميقاته

هذا زهيرك لا زهير مزينة

وافاك لا هرما على علاته

دعه وحولياته ثم استمع

لزهير عصرك حسن ليلياته

لو أنشدت في آل جفنة أضربوا

عن ذكر حسان وعن جفناته

ومن ذلك قوله في مدح الملك الكامل ناصر الدين أبي الفتح محمد بن الملك العادل وذكر انتزاعه ثغر دمياط من الإفرنج:

بك اهتز عطف الدين في حلل النصر

وردت على أعقابها ملة الكفر

وليلة غزو للعدو كأنها

بكثرة من أرديته ليلة النحر

فيا ليلة قد شرف الله قدرها

ولا غرو أن سميتها ليلة القدر

سددت سبيل البر والبحر عنهم

بسابحة دهم وسانحة غر

أساطيل ليست في أساطير من مضى

بكل غراب راح أفتك من صقر

وجيش كمثل الليل هولا وهيبة

وإن زانه ما فيه من أنجم زهر

وكل جواد لم يكن قط مثله

لآل زهير لا ولا لبني بدر

وباتت جنود الله فوق ضوامر

بأوضاحها تغني السراة عن الفجر

فلا زلت حتى أيد الله حزبه

وأشرق وجه الأرض جذلان بالنصر

كفى الله دمياط المكاره، إنها

لمن قبلة الإسلام في موضع النحر

البهاء زهير · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البهاء زهيرص ١٥