وما طاب ماء النيل إلا لأنه
يحل محل الريق من ذلك الثغر
ومن قصيدة يمدح بها علاء الدين علي بن الأمير شجاع الدين جلدك:
فيا ظبي هلا كان منك التفاتة
ويا غصن هلا كان فيك تعطف
ويا حرم الحسن الذي هو آمن
وألبابنا من حوله تتخطف
عسى عطفة للوصل يا واو صدغه
علي فإني أعرف الواو تعطف
ومن قصائده في مدح السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وذلك في سنة 622 كما في طبعة پلمر، ولعلها أولى قصائده في مدحه حين جاء من قوص إلى القاهرة واتصل به:
وعد الزيارة طرفه المتملق
وتلاف قلبي من جفون تنطق
إني لأهوى الحسن حيث وجدته
وأهيم بالقد الرشيق وأعشق
وبليتي كفل عليه ذؤابة
مثل الكثيب عليه صل مطرق
إن عنفوا، إن سوفوا، إن خوفوا
لا أنثني، لا أنتهي، لا أفرق
ويزيدني تلفا فأشكر فضله
كالمسك تسحقه الأكف فيعبق
ولقد سعيت إلى العلاء بهمة
تقضي لسعي أنه لا يخفق
وسريت في ليل كأن نجومه
من فرط غيرتها إلي تحدق
حتى وصلت سرادق الملك الذي
تقف الملوك ببابه تسترزق
فإليك يا نجم السماء فإنني
قد لاح نجم الدين لي يتألق
الصالح الملك الذي لزمانه
حسن يتيه به الزمان ورونق
ملأ القلوب مخافة ومحبة
فالبأس يرهب والمكارم تعشق
فعدلت حتى ما بها متظلم
وأنلت حتى ما بها مسترزق
يا من رفضت الناس حين لقيته
حتى ظننت بأنهم لم يخلقوا
قيدت في مصر إليك ركائبي
غيري يغرب تارة ويشرق
وحللت عندك إذ حللت بمعقل
يلقى إليه مارد والأبلق
وتيقن الأقوام أني بعدها
أبدا إلى رتب العلا لا أسبق
فرزقت ما لم يرزقوا، ونطقت ما
لم ينطقوا، ولحقت ما لم يلحقوا
وقال يمدح الملك الناصر صلاح الدين بن الملك العزيز محمد:
عرف الحبيب مكانه فتدللا
وقنعت منه بموعد فتعللا
وأتى الرسول فلم أجد في وجهه
بشرا كما قد كنت أعهد أولا
فقطعت يومي كله متفكرا
وسهرت ليلي كله متململا
وأخذت أحسب كل شيء لم يكن
متحركا في فكرتي متخيلا
فلعل طيفا زار منه فرده
سهري فعاد بغيظه فتقولا
وعسى نسيم بت أكتم سرنا
عنه فراح يقول عني قد سلا
ولقد خشيت بأن يكون أماله
غيري، وطبع الغصن أن يتميلا
وأظنه طلب الجديد وطالما
عتق القميص على امرئ فتبدلا
أهوى التذلل في الغرام وإنما
يأبى صلاح الدين أن أتذللا
مهدت بالغزل الرقيق لمدحه
وأردت قبل الفرض أن أتنفلا
يا من مديحي فيه صدق كله
فكأنما أتلو كتابا منزلا
يا من ولائي فيه نص بين
والنص عند القوم لن يتأولا
ولعل البهاء زهيرا كان يشعر بما يكتنف مذهبه الجديد في الشعر من تنقيص خصومه، ومن ضعف الأذواق التي أفسدها التكلف عن تذوقه؛ لذلك كان يسلك في الشعر الرسمي، شعر المديح، المذهب القديم غالبا؛ ويظهر عليه، في كثير من الأحيان، أنه يحاول غير ما في طبعه، حتى إذا هتفت بالشعر عواطفه، عاد إلى مذهبه السهل البسيط الخالي من التصنع، القريب من الفطر.
ولمذهب البهاء زهير خصوم نجد صدى أحكامهم في قول صاحب كتاب «مرآة الجنان وعبرة اليقظان» لليافعي اليمني المتوفى سنة 768:
قال ابن خلكان: وكل شعره لطيف، وذكر شيئا منه في تاريخه، ولكن للاختصار والتخفيف لم أكتب شيئا منه، ولا أعجبني ولا قوى عزمي الضعيف.
لكن لمذهب البهاء زهير مريدون كثيرون يرون شعره لطيفا من السهل الممتنع، كما نقلنا عن ابن خلكان.
ويرى پلمر، في مقدمته لديوان شاعرنا، أن عصر البهاء زهير كان أكثر العصور صلة بين الثقافة العربية وثقافة الغرب، بسبب الحروب الصليبية وما تبعها من استقرار مملكة غربية في فلسطين زمنا، ويقول: إن شعر البهاء زهير يشابه الشعر الأوروبي، وأكثر أفكاره تحاذي أفكار الشعراء الإنجليز في القرن السابع عشر.
الناحية الثانية من نواحي عبقرية البهاء زهير في النهضة الشعرية ناحية الأوزان
أسلفنا أنه كانت في عهد البهاء زهير انتشرت أوزان التوشيح الآتية من الأندلس؛ وذلك لا بد أن يكون نبه الشعراء إلى فن من الألحان الشعرية جديد، فاهتدت الفطر الموسيقية إلى اختيار البحور اللطيفة والأوزان الموفورة الحظ من الموسيقى ومن التأثير. وهذا شأن البهاء زهير؛ فإننا نجده في غير شعر المديح قلما يركن إلى غير الأوزان الخفيفة. يقول: