فقلت بالرضا ، ثم أسخطني فقلت بالسخط . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن من البيان لسحرا ) ) . قال أبو عبيد : كأن ( معناه والله أعلم أنه ) يبلغ من ثنائه أنه ( يمدح الإنسان فيصدق فيه حتى يصرف قلوب السامعين إليه ) ، أي إلى قوله ، ( ويذمه فيصدق فيه حتى يصرف قلوبهم أيضا عنه ) إلى قوله الآخر . فكأنه سحر السامعين بذالك . انتهى .
قال شيخنا : زعم قوم أن كلام المصنف فيه تناقض ، فكان الأولى في الأولى : حتى يصرف قلوب السامعين إليه . وفي الثانية : حتى يصرف قلوبهم عنه ، لاكن قوله أيضا يحقق أن كلا منهما : حتى يصرف قلوب السامعين . والمراد أنه بفصاحته يصير الناس يتعجبون منه مدحا وذما ، فتنصرف قلوب السامعين إليه في الحالتين ، كما قاله المصنف . ولا اعتداد بذالك الزعم . وهاذا الذي قاله المصنف ظاهر وإن كان فيه خفاء . انتهى .
قلت : لفظة ( أيضا ) ليست في نص أبي عبيد ، وإنما زادها المصنف من عنده ، والمفهوم منها الاتحاد في الصرف ، غير أنه في الأول : إليه ، وفي الثاني : عنه إلى قوله الآخر والعبارة ظاهرة لا تناقض فيها ، فتأمل .
وقال بعض أئمة الغريب ، وقيل إن معناه إن من البيان ما يكتسب من الإثم ما يكتسبه الساحر بسحره ، فيكون في معرض الذم . وبه صرح أبو عبيد البكري الأندلسي في شرح أمثال أبي عبيد القاسم بن سلام ، وصححه غير واحد من العلماء ، ونقله السيوطي في مرقاة الصعود ، فأقره ، وقال : وهو ظاهر صنيع أبي داوود .
قال شيخنا : وعندي أن الوجهين فيه ظاهران ، كما قال الجماهير من أرباب الغريب وأهل الأمثال .