هذا هو موقفهم من هذا القسم من النسخ في القرآن، وهو إنكار وقوعه في القرآن، وهدفهم من هذا الإنكار ظاهر، وهو اتخاذه سلماً للوصول إلى هدفهم الخبيث من القول بتحريف القرآن، وذلك أنهم لما عجزوا أن يقيموا على دعواهم تلك دليلاً واحداً صحيحاً ذهبوا يتعلقون بكل ما يخيل إليهم أنه دليل لهم وليس كذلك، بل هو مجرد أوهام ولدته العصبية عندهم.
ويرد عليهم بأنه لا عبرة بإنكارهم لهذا القسم من النسخ في القرآن بعد شيوع القول به، وإجماع من يعتد به من السلف الصالح إلى يومنا هذا، ولم يخرج من هذا الإجماع إلا بعض شذاذ من المعتزلة وغيرهم ممن لا اعتداد بخلافهم، هم الذين أنكروا هذا القسم من النسخ لبعض شبهات عندهم، وقد أجاب عنها المحققون بما يشفي العليل، وهو مبسوط في مواضعه.
فالقول بهذا القسم من النسخ قول جميع من يعتد بقوله من علماء المسلمين، فلا يلتفت بعد ذلك إلى إنكار من ينكر ذلك أياً كان هدفه في ذلك، وقد ذكر هذا القسم من النسخ كل من تعرض للنسخ في مؤلفه من الأصوليين، ومصنفي علوم القرآن وغيرهم من المصنفين بالإثبات([447]).
ومن الشبه التي يتعلقون بها: اختلاف مصاحف الصحابة بعضها عن بعض، كمصحف علي، ومصحف ابن مسعود، ومصحف أُبي بن كعب، ومصاحف غيرهم رضي الله عنهم، قالوا: إن اختلاف هذه المصاحف بعضها عن بعض، واختلافها عن مصحف الأم المصحف العثماني في أمور كثيرة من الكلمات والترتيب بين السور والآيات دليل على أن القرآن وقع فيه تحريف من الصحابة -على حد زعمهم-([448]).