ومنها: أن دعواهم هذه منقوضة بالواقع، فإن هناك أموراً كثيرة وقعت في الأمم السابقة ولم يقع شيء منها في هذه الأمة، كعبادة بني إسرائيل العجل، ورفع الله فوقهم الطور، وسؤالهم موسى عليه السلام أن يريهم الله جهرة، وغيرها من الأمور الكثيرة التي وقعت في تلك الأمم، ولم تقع في هذه الأمة، مما تدل دلالة واضحة على أن المراد من الحديث ليس هو ما يذهب إليه الرافضة، وإلا لوقع كل ذلك في هذه الأمة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق فيما يخبر به أمته، فإنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظ القرآن الكريم، ولم يكل حفظه إلى البشر، بينما وكل حفظ الكتب السابقة إلى علماء تلك الأمم، وفي ذلك يقول الشاطبي([423]) رحمه الله تعالى- فيما نقله عن أبي عمرو الداني عن أبي الحسن المنتاب قال-: (كنت يومًا عند القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق فقيل له: لم جاز التبديل على أهل التوراة، ولم يجز على أهل القرآن؟ فقال القاضي: قال الله عز وجل في أهل التوراة: ((بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ)) [المائدة:44]، فوكل الحفظ إليهم، فجاز التبديل عليهم، وقال في القرآن: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9] فلم يجز التبديل عليهم، قال علي: فمضيت إلى أبي عبد الله المحاملي، فذكرت له الحكاية فقال: ما سمعت كلاماً أحسن من هذا)([424]).