المخلفون. فرحوا بالسلامة، والراحة خلاف رسول الله، وتركوا المجاهدين يلاقون الحر والجهد وحسبوا أن السلامة غاية يحرص عليها الرجال.
وإنما فرحوا لأنهم لا يؤمنون بها في الخروج معه صلى الله عليه وسلم من الأجر العظيم الذي لا تذكر بجانبه راحة القعود في البيوت شيئا، وأن هذه الفرحة التي شاعت في نفوسهم حين بدا لهم أنهم أفلتوا من هذا البلاء الذي ابتلى به المؤمنون في هذه الغزوة من قلة الزاد، وبعد الشفة ووفدة الحر .. هذه الفرحة لن يهنأوا طويلا بها، بل ستعقبها حسرة وندامة وعذاب شديد.
(وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) ايثارا للراحة، والتنعم بالماكل والمشارب على الشعب، والمشقة، وميلا إلى الدعة، والخفض، وشحا بالمال أن ينفقوه في طاعة الله،، وكيف لا بركوهونه، وليس عندهم ما في قلوب المؤمنين من باعث الإيمان، وداعي الايقان، وفيه تعريض بالمؤمنين الذين آثروا على الراحة تحصيل رضى الله ببذل الأموال والمهج (وقالوا لا تنفروا في الحر) .. قد يكون من حديث إخوان النفاق بعضهم إلى بعض، وتحريض بعضهم لبعض على ترك الجهاد في الحر، تهيا لهم من المعروف، واغراء بااثبات عاي المنكر وهو عدم التفر، وذلك ليكثر عددهم وتقوي جبهتهم، وليكون للمتخلف منهم وجه من العذر بكثرة المتخلفين غيره، وقد يكون هذا القول منهم على اطلاقه يقولونه لكل من يلقاهم، تلبينا لهم فيه، وتثبيطا للمؤمنين عنه، وليفتروا به الهمم، ويكسروا العزائم، حتى لا يجتمع على دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد الجيش الذي يخرج به في هذه الغزوة وبهذا لا بنکشف أمر المنافقين الذين عقدوا العزم على التخلف عن الغزو، حيث لا يخف أحد. للجهاد إذا صح ما قدروا له وعملوا له من اشاعة الدعوة في النار بأن لا ينفروا في الحرب
وعلى كلا التقديرين فهي قوله المسترخي الناعم الذي لا يصلح لشيء مما يصلح له الرجال،، أن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة وطراوة الإرادة .. وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب، ويفرون من الجهد، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز، وهم يتساقطون أعباء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات .. ولكن هذه الصفوف نظل في طريقها المملوء بالعقبات، والأشواك، لأنها تدرك بفطرتها أن كفاح العقبات والأشواك فطرة في الإنسان، وانه ألذ وأجمل من الفعود، والتخلف، والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال.
والنص يرد عليهم بالتهكم المنطوى على الحقيقة (وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم) التي أعدها الله لمن عصاه وعصى رسوله (أشد حرا) من تلك الأيام في أوائل فصل الخريف (2) فهو لا يلبث أن يخفف، ويزول، على أنه مما تحمله الأجسام.
والمعنى: أن تركهم النفير في الحريوقعهم في حر أشد هولا من هذا الحر الذي يعتبر برد وسلاما إذا قيس بحر جهنم، فإن كانوا يشفقون من حر الأرض ويؤثرون الراحة المسترخية في الظلال، فكيف بهم في حرجههم وهي أشد حرا وأطول أمدا؛ فهو يلفح وجوههم وينضح جلودهم وينزع شواهم؟ وانها لسخرية مريرة، ولكنه كذلك حقيقة .. فإما كفاح في سبيل الله فترة محدودة في حر الأرض، واما انطراح في جهنم لا يعلم مداه إلا الله.