14 - سياسة الإسلام في المنافقين أن يعاملوا بحسب ظواهرهم وما بيدوا من أعمالهم، وأن للإمام الأعظم أو عليه - ومثله نوابه من أولياء الأمور - أن يعرض في الخطب العامة والتصريحات الرسمية بتقبيح ما بعلم من سوء أعمالهم، والإنذار بسوء عواقبها لبعدهم للتوبة منها أو الحذر من إظهار ما يضمرونه من الشر الذي يترتب عليه العقاب.
وتتضمن هذه السياسة الأصول الثلاثة الآتية في حرية الدين ومعاملة المنافقين
أولا: أن حرية الاعتقاد والوجدان مرعية لا سيطرة عليها للرؤساء الحاكمين ولا للمعلمين والمرشدين، وإنما لهؤلاء حق في التربية والتعليم، فليس لأحد أن ية 4 م إنسانا بإضمار الكفر ولا نية الخيانة للنه او دولته، ولا بإرادة السوء لقومه وأمنه، ولا أن به افبه على ذلك بعقاب بدني ولا مال، ولا بحرمانه من الحقوق التي يتمتع بها غيره من أفراد الأمة
ثانيا: أنه ليس لمن يضر الكفر بالله أو بما جاءت به رسله أن يكون فتنة للناس بإظهار ذلك الهم ودعوتهم إليه، أو الطعن في عقائدهم، أو بإظهار ما ينافيها من قول أو عمل، وأن لم يکن دعوة ولا طعنا، فإن فعل ذلك وكان يدعي الإسلام بحكم بارتداده وخروجه من الملة أن كان ما أظهره من الكفر صريحا قطبا مجموا عليه لا يعتمل التأويل، ويترتب عليه ما هو مقرر في الشرع من استتابته وعقابه أن لم يتب، ومنه منع التوارث بينه و بين المسلمين، وفسخ نكاحه بالمسلمات، وعدم تشييع جنازته والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، لأن حرية كل أحد في اعتقاده تقف عند حرية غيره ولا سيما احترام عقائد الملة التي يعيش في ظل شريعتها وسائر شعائرها وعباداتها، ومما يجدر التنبيه عليه أن كثيرا من الفقهاء قد أسرفوا في أبواب الردة في المسائل التي يحكم فيها بالكفر المخرج من الملة، وينوا كثيرا منه على اللوازم البعيدة والمحتملة للتأويلات القريبة، وما ورد في صفات المنافقين في هذه السورة حجة عليهم، وأن قال بعض العلماء المتقدمين: إن ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم نفاقا لا ينافي ظاهر الإسلام هو الآن كفر محض لا تقبل معه دعوى الإيمان، فهذا قول باطل، فكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هما الحجة في الدين، والاهتداء بهما هو الواجب إلى يوم الدين، فيجب قبول قول كل من أظهر الإسلام ولم يصرح بما ينافيه بما لا يحتمل التأويل .. ومما يحتمل التأويل احتمالا ظاهرا جميع المباحث العلمية المخالفة لظواهر النصوص كما هو مقرر في الأصول.
ثالثا: أن من ظهر منه شئ من إمارات النفاق العملي في الدين، أو الخيانة الأمة والملة بها هو غير صريح، مما لا يعاقب عليه في الشرع بحد ولا تعزير، فلولي الأمر أن بعظه بالتعريض ثم بالتصريح والتكشيف، وله أن يعاقبه بها برجي أن يزفه عن غيه من التأديب كالحرمان من مظاهر التشريف أو الأزورار والتقطيب أو التأنيب والتعنيف، ومنه حرمان النبي صلى الله عليه و مسلم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من الخروج معه إلى غزوة أخرى بقوله تعالى: فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى أبدا ولكن الملوك والرؤساء المستبدين يقربون إليهم المنافقين فيزيدونهم فسادا، وبجرثون غيرهم، حني أن المناصب الدينية المحضة صارت تنال بالنفاق ويناد عنها أحل الصدق والاخلاص
809