مجرى الإحسان فكذا هاهنا .. لما عرفنهم أنه رسول حق من عند الله فأقبلوا منه هذه التكاليف الشائنة لتفوزوا بكل خير، فهو صلى الله عليه وسلم لا يلقى بكم في المهالك ولا بدفع بكم إلى المهاوي، فإذا هو كلفكم الجهاد وركوب الصعاب، فما ذلك من هوان بكم عليه، ولا القسوة في قلبه وغلظة، إنما هي الرحمة في صورة من صورها .. الرحمة بكم من الذل والهوان، والرحمة بكم من الذنب والخطيئة، والحرص عليكم أن يكون لكم شرف حمل الدعوة وحظ رضوان الله، والجنة التي وعد المتقون ..
لهذا أنس المسلمون إلى رسول الله من رجال ونساء، كما بأن الأطفال إلى الآباء والأمهات، وكان أنسهم منبعثا عن حب وإجلال واطمئنان إلى سماحة نفسه ورأفته ورحمته)
وأما مناسد رأفة الرسول ورحمته بالمؤمنين فهي كثيرة ومتنوعة وقد أشرت إلى أن تخصيص المؤمنين برأفة الرسول ورحمته لا يعني أنه ليس بغيرهم روفا رحيما فهو عليه السلام الرحمة المهداة إلى الناس جميعا، ولم يكن الرسول رحيما بالإنسان فقط ولكن رحمته وشفقنه وبره بشمل الإنسان والحيوان مما يؤك. أنه عليه السلام لا يدانيه أحد في أخلاقه وأنه قد اجتمع له من الشمائل والفضائل ما لم يجتمع لغيره، ولا غرور فقد اجتباه ربه الرسالته، وعلمه فأحسن تعليمه، ومدحه في كتابه بالخلق العظيم .. وهو لكل ذلك المثل الأعلى
في الفضائل ما لم يجتمع لغيره، ولا غرور فقد اجتباه ريه لرسالته، وعلمه فأحسن تعليمه ومدحه في كتابه بالخلق العظيم .. وهو لكل ذلك المثل الأعلى في الفضائل والأسوة الحسنة لمن اراد نعيم الدنيا والآخرة وصدق الله حيث قال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (17).
ومن مظاهر رأفة الرسول بالمؤمنين أنه كان إذا سمع بكاء صبي وهو في الصلاة - وكان النساء بصلين في المسجد خلف الصفوف - تجوز في الصلاة وتعجل فيها شفقة ورحمة بوالدته، وكان إذا أم الناس في الصلاة تخفف رأفة بالضعفاء وذوي الضرورات، وكان لا بجلس إليه أحد من أصحابه وهو يصلي إلا خفف صلاته وسأله عن حاجته، بل كان في موعظته للناس " وهي من أهم الأمور - بقصد إلى التخفيف شفقة ورحمة بهم، قال عبد الله بن مسعود: كان رسول الله يتخولنا للموعظة مخافة السآمة علينا.
ومما يروى أن أعرابيا جاء إلى الرسول يطلب عطاء فأعطاه ثم قال له: هل أحسنت إليك؟ فقال الأعرابي لا ولا أجمل، فغضب المسلمون من هذا الرد الجاني وهموا به فأشار الرسول إليهم أن كفوا ثم قام فدخل منزله وأرسل إليه وزاده شيئا ثم قال: هل أحسنت إليك؟ قال: نعم فجداك من أهل وعشيرة خيرا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنك قلت ما قلت وفي انفس أصحابي من ذلك شئ فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك قال: نعم، فلما كان الفد جاء الأعرابي فقال الرسول لأصحابه أن هذا الأعرابي قال ما قال فزودنا، فزعم أنه رضى، أكذلك. فقال الأعرابي نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال عليه السلام: (مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه فاتبعها الناس فلم بزيدوها إلا نفورا فناداهم صاحبها خلوا بيني وبين ناقتي فاني أرفق بها منكم