تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعلماء اللفة أراء (1) فييانه في تفسير معنى الرأفة والرحمة من حيث العلاقة بينهما، فهناك من يرى أن الكلمتين مترادفتان، على حين يرى آخرون أن الرأفة أشر الرحمة، وقال بعضهم: إن الرحمة أعم من الرأفة لأن هذه لا تكون مع الكراهية، وتلك نفع مع الحب والبغض، فالإنسان قد يرحم عدوه ولكنه لا يحنو عليه، ولا يهمش له

ومع اختلاف آراء اللغوين في تحديد مدلول الرأفة والرحمة فإن الذي لا جدال فيه ولا اختلاف عليه انهما صفتان من صفات الكمال الإنساني الذي تطمح إليه النفوس المطمئنة والأفئدة المؤمنة فمن اتصف بالرأفة والرحمة فهو الإنسان الكامل الذي يحمل بين جنبيه قلبا لا يعرف الغلظة ولا بجنع إلى القسوة، ولا تستبد به شهوة الانتقام من أعدائه والمسيئين إليه لأن إحساس الصفح والعفو لديه أقوى وأغلب، ومشاعر الإحسان والحنان أشد وأظهر

النص في الآية على أن الرسول بالمؤمنين رءوف رحيم لا يعني أنه ليس بغيرهم رءوفا رحيما، فقد بعثه الله رحمة للعالمين، وهذائية للناس أجمعين، وما كان حرص الرسول على هداية قومه إلا لونا من الرأفة والرحمة بهم، ولعل تخصيص المؤمنين في هذه الآية جاء في مقابلة ما أمر به عليه السلام من الغلظة على الكفار والمنافقين بقوله تعالى: "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (4) وإنما أمر بالغلظة عليهم لأن الغالب على طبعه الشريف الرأفة والرحمة والأدب في المقابلة والمعاشرة، وهذه الرأفة والرحمة مبذولة لجميع الأمم

وربما لأن الآية حين أشادت بالرسول في حرصه على هداية قومه وما كان يشعر به من الأسي إذا رأى منهم إصرارا على ما يشقيهم، كان ختام الآية إشارة إلى أن الرسول إذا كان بحمل في قلبه تلك المشاعر النبيلة، نحو من لم يؤمن به فهو بالنسبة لمن صدفه وانبيه وسلك معه طريق النجاة والفوز صورة فريدة من الحنان والشفقة والعطف والرعاية، ويكفي أن الله تبارك وتعالى وصف نفسه في آيات كثيرة بما وصف به رسوله في هذه الآية بعد وصفه بوصفين هما أفضل نعوت الرؤساء والزعماء المديرين الأمور الأمم بالحق والعدل والفضل - فهي رافة ورحمة مستمدة من رأفة الله ورحمته بعباده وهو فضل عظيم أمينه المولى سبحانه على نبيه والمؤمنين كما قال تعالى في أية أخرى: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ لانفضوا من حولك (). فقد وصفه الله تعالى بأنه بلين لهم وأن هذا اللين صادر عن قسط عظيم منعه الله إياه من رحمته جل جلاله، فكل ما يدعوهم إليه من العمل بشرائع الله تعالى فهو دليل على ثبوت هذه الصفة الرائعة والعواطف السابقة له صلى الله عليه وسلم وهو أرأف بالمؤمنين وأرحم عليهم من أنفسهم .. وكل شاق من الأعمال كالجهاد فهو منجاد مها هو أشق منه ولا شئ من الشاق منها ببالغ حد العنت، للقطع في هذا الدين بنفي العسر و الحرج، ولأنه يشق عليه ضررهم وتعظم رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليهم

فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم في حقهم، والطبيب الشفق ربما أقدم على علاجات صعبة بعسر تحملها، والأب الرحيم ربما أقدم على تأديبات شاقة .. إلا أنه لما عرف أن الطبيب

حاذق وأن الأب مشفق صارت تلك المعالجات المؤلمة متعملة، وصارت تلك التأديبات جارية |

792

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٧٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٧٢٤