تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأيضا ليس فيها زيادة في متعلق الإيمان، إذ لا تكاليف فيها، وأن العقل يجزم بأن تصديق النبي لا يعادله تصديق أحد من أفراد أمنه، كما يقتضي بأن تصديق الشخص الواحد بتفاضل في بعض الأحايين، فيقوي تارة ويضعف أخرى، في مراتب لا تنزل به عن درجة اليقين. فكيف بقال بعد هذا أن التفاوت في التصديق إنما هو لاحتمال النقيض؟ وما أبدع قول الإمام النووي في هذا المعرض: إن كل واحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان اعظم يقينا وإخلاصا منه في بعضها، بحسب ظهور البراهين وكثرتها.

والحق أن التصديق نفسه تعرض له الزيادة والنقصان من جهات ثلاث:

أولا: من جهة أدلته: فإن الأدلة الكثيرة تفيد التصديق قوة ورسوخا أكثر مما يفيده الدليل الواحد، وأيضا فإن الأدلة نفسها تتفاوت في الوضوح والجلاء، فدليل التواتر مثلا- ليس كدليل المشاهدة، وكذلك القضايا التابعة لهما كعدوث العالم، وطلوع الشمس،

ومن هنا كان إيمان الصحابة أقوى من إيماننا، فإنهم شاهدوا ما لم يتيسر لنا أن نشاهد، بل أن دليل المشاهدة نفسه يتفاوت بحسب قوة المشاهدة وكثرتها.

ثانيا: بتفاوت التصديق من جهة متعلقة: وهي القضايا المصدق بها، فإن التصديق بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إجمالا ليس كالتصديق بصدقه في كل ما جاء به تفصيلا فمن اعتقد صدق الرسول لدايل المعجزة دون أن يطلع على التفاصيل التي جاء بها الرسول عليه السلام كان ذلك كافيا في إيمانه، وهو إيمان إجمالي لا يكون كإيمان من وقف على جميع التفاصيل التي جاء بها الرسول و اعتقد صدقه في جميعها .. فالعلم الإجمالي علم بمعلوم واحد، والعام التفصيلى علم بمعلومات كثيرة.

ثالثا: بتفاوت التصديق من طريق العمل: فإن العقيدة النظرية إذا أخذت أثارها العملية إذا رسخت في النفس وبقيت ماثلة في الوجدان فإنها تستمد من العمل بها قوة وثبانا، وهكذا كلما ازداد تكرر العمل، ازدادت العقيدة قوة، وكلما قلت نسبة العمل بالعلم ضعف هذا العلم وضعفت قوة هذه العقيدة بمقدار التهاون في العمل .. فمن كثرة مخالفته لأوامر الله ضعف بشينه ولم يأمن ثباته على الإيمان، ومن اعتاد طاعة الله ازداد إيمانه (4)

صفات الرسول القائد وتوجيهات له:

وتختم السورة بأيتين ورد أنهما مكيتان، وورد أنهما مدنيتان (وقد بينا ذلك في المقدمة وناقشنا الرأيين مناقشة تفصيلية) ونحن نأخذ بهذا الأخير، ونلمح مناسبتهما في مواضع متفرقة في هذا الدرس وفي جو السورة على العموم. آيتين تتحدث أحداهما عن الصلة بين الرسول وقومه، وعن حرصه عليهم ورحمته بهم .. ومناسبتها حاضرة في التكاليف التي كلفتها الأمة المؤمنة في مناصرة الرسول ودعوته وقتال أعدائه و احتمال العسرة والضيق.

والآية الثانية توجبه لهذا الرسول أن يعتمد على ربه وحده حين يتولى عنه من يتولي، فهو وليه وناصره وكافيه. (لقد جاءکم رسول من أنفسكم عزيزا عليه ما عنتم حريصا عليكم. بالمؤمنين رءوف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لا اله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش

VAA

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٧٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٧٢٠