عنه ونفور منه، فلهذا صاروا إلى ما صاروا إليه، وذلك لأنهم فوم فقدوا صفة الفقاهة الفطرية وفهم الحقائق وما يترتب عليها من الأعمال، لعدم استعمال عقولهم فيها، فهم لا يفقهون ما يسمعون من هذه الآيات، لعدم تدبرها والأعراض عن النظر والتأمل في معانيها .. ذلك بأنهم اتخذوا أنفسهم أعداء وخصوما للرسول، ووطنوا أنفسهم على الأعراض عن كل ما جاء به من غير بحث ولا تأمل فيه، أمعقول أم غير معقول؟ أحق أم باطل؟ أخير أم شر؟ أهدى أم ضلال؟ أناقع أم ضارة فأني برجي نهم - وهذه حالهم - أن يهتدوا بتعدد نزول الآيات والسور؟
وبعد أن أمعنا النظر في الآيات تعالوا ننظر إليها بجملتها وكلينها نظرة عجلى فنلمح فيها صورة حية ومشهدا متحركا ترسمه الآية الأخيرة في شريط متحرك رفيق ..
وأننا حين نقلو الآية - لنستحضر مشهد هؤلاء المنافقين وقد نزلت سورة فإذا بعضهم بنظر إلى بعض ويغمز غمزة المريب هل براكم من أحد؟ ثم تلوح لهم غرة من المؤمنين وانشغال فإذا هم بتسللون على أطراف الأصابع في حذر ثم انصرفوا تلاحقهم من العين التي لا تغفل ولا تنشغل دعوة قاصمة تناسب فعلتهم المريبة صرف الله قلوبهم صرفها عن الهدي، فإنهم يستحقون أن بظلوا في ضلالهم يعمهون بأنهم قوم لا يفقهون عطلوا قلوبهم عن وظيفتها فهم يستحقون | إنه مشهد كامل حافلا بالحركة رسمته بضع كلمات، فإذا هو شاخص للعبون كأنها تراه؟
من فقه الآيات زيادة الإيمان لاشك أن الإيمان بمعناه الشامل للأعمال يقبل الزيادة والنقصان، لأنه كلما ازداد جزاؤه العملي بازدياد الطاعات زاد مجموعه حتى يصل إلى الكمال، وكلما نقص من هذه الطاعات عمل نقص ذلك المجموع بمقدار هذا العمل .. لكن النقصان حد معين، وهو أن يكون انتقاصا من الزيادة لا من الأصل، وألا كان ذهابا للإيمان
أما الإيمان بمعنى التصديق فقد اختلف في قبوله الزيادة والنقصان، فقال قوم " منهم الإمام أبو حيان وإمام الحرمين: إن الإيمان بمعنى التصديق لا يزيد ولا بنقص، وحجتهم .. أنه اسما للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان، وهو لا يتصور فيه الزيادة، كما أن نقصه ذهاب له، وأجابوا عن النصوص الواردة في الزيادة: بأن المراد زيادة الطاعات على تقدير دخولها في معنى الإيمان، أو زيادة متعلقات الإيمان من حيث الإجمال والتفصيل .. مستانسين بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن أول ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد ثم الصلاة ثم الزكاة ثم الحج والجهاد، فازدادوا إيمانا مع إيمانهم.
وقال الجمهور: إن الإيمان يزيد وينقص، مستدلين بأنه هو المتبادر من كثرة الإثارة الصحيحة في زيادة الإيمان من الكتاب والسنة، مع عدم المعارض العقلي لها .. ومن هذه الآثار ما يكاد يكون نص في زيادة التصديق .. كقوله تعالى: (الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا) وكما قال: (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجع به)). وحمل هذه الآثار على زيادة الأعمال لا يظهر له وجه
787
787