تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه أدل على رسوخهم في الكفر، وعدم الطمع في رجوعهم عنه، بإثباتها أنهم يكرهون سماع القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أشد تأثيرا من سماعه من غيره في البداية، ولذلك كان المشركون يمنعونه صلى الله عليه وسلم من تلاوته على الناس، لئلا يهتدوا بسماعه منه، فإن لم يتمكنوا من إسكانه اعرضوا عنه ولغوا فيه

تقول الآبة؛ وإذا ما أنزلت سورة مشتملة على عيب هؤلاء المنافقين - الذين وصف جل ثناؤه صفنهم في هذه السورة - وشرح فضائحهم وسمعوها وهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، تأدوا من سماعها، وجعل ينظر بعضهم إلى بعض نظرا مخصوصا دالا على الطعن في تلك السورة والاستهزاء بها وتحقيرشانها، والرعب والقيظ لما فيها من مخازبهم وببان قبائحهم .. ثم قال بعضهم لبعض هل يراكم من أحد أن تكلمتم أو تناجيتم بهذا فينقله إلى محمد وذلك جهل منهم بنبوته صلى الله عليه وسلم، وأن الله بطلعه على ما يشاء من غيبه ..

ثم انصرفوا عن طريق الإهتداء، وذلك أنهم حينما بين لهم كشف أسرارهم والأعلام عن منيبات أمورهم، يقع لهم - لا محالة- تعجب وتوقف ونظر .. فلو أرادوا الاهتداء لكان ذلك الوقت مظلة لإيمانهم، فهم إذ يصممون على الكفر ويرنيكون فيها، كانهم انصرفوا عن تلك الحال التي كانت مظنة النظر الصحيح والاهتداء القويم، ولم يسمعوا قراءة النبي صلى الله

عليه وسلم سماع من بندبره وينظر في آياته "أن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون" (24) أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" (29) .. فهم قد انصرفوا عن استماع القرآن إلى الطعن فيه، وأن ثبتوا في أماكنهم. أو ثم قاموا فانصرفوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستمعوا قراءة السورة التي فيها معايبهم

والأحسن الأظهر أن لا يكون ذلك مختصا بالسورة المشتملة على فضائح المنافقين، بل كانوا بستخفون بالقرآن مطلقا، فكلما سمعوا سورة أستهزأوا بها وطعنوا غيبة وأخذوا في التيامز والتضاحك على سبيل الاستهزاء والسخرية.

والمعنى على هذا الوجه، وإذا أنزلت صورة وهم في المجلس، فعلى حين تخشع أبصار المؤمنين وتنحني رؤوسهم ونوجل قلوبهم نرى هؤلاء تسارقوا النظر وتغامزوا بالجفون وترامقوا بالعيون، يتشاورون في الانسلال من المجلس خفية، لئلا يفتضحوا بما يظهر عليهم من الإنكار والسخرية بالوحي، قائلا بعضهم لبعض بالإشارة أو العبارة هل يراكم من أحد من الرسول والمؤمنين إذا نحن انصرفنا كارهين لسماعها؟ .. ثم انصرفوا بتسللون لواذا إلى مجامعهم الخاصة بهم ..

والتعبير ب ثم لبيان تراخي فعلهم عن وقت قولهم إلى سفوح فرصة الغفلة عنهم ولو أفرادا و فكلما لمح أحد منهم غفلة من المؤمنين عنه انصرف

صرف الله قلوبهم عن كل رشد وخير وهدى وتوفيق عن صدق الإيمان، والاهتداء بآبات الله في القرآن، المرشد إلى أياته في الأكوان، بسبب أنهم قوم لا يفقهون عن الله مواعظه استكبارا ونفافا، ولا يفقهون عن الله خطايا ولا يتصدرون لفهمه ولا يريدونه، بل هم في نقل

% A 6

دار مسر الحروسة

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٧١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٧١٨