محمد صلى الله عليه وسلم وتقوية شريته، فيفقه بذلك من معاينة حفيفة على أمر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه، فإذا رجعوا من ذلك التفر إلى قومهم أنتروهم بما رأوه وما فقهوه من هذا الدين في إنشاء الجهاد والحركة، وبما شاهدوه من دلائل النصر والفن والظفر، وحدثوهم عن المصلين والمذنبين، وحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك (إذا هم (رجعوا إليهم) من
غزوهم، لعل قومه إذا هم حذروهم عانوا من ذلك، يحذرون فيؤمنون بالله ورسوله حذرا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروهم خيرهم.
وعلى هذا فالضمير في (ليتفقهوا في الدين للطائفة التي تنفر للغزو لا التي تبقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: وهذا الوجه له أصل من تأويل ابن عباس رضي الله عنهما، ومن تفسير الحسن البصري، وأختبار ابن جرير وقول لأبن كثير
وضعف هذا الرأي المنار، وزعم أنه متكلف إذ قال: وزعم الطبرى أن هذا القول أولي بالصواب، ثم قال: وهذا تأويل متكلف بنبو عنه النظم الكريم، فإن اعتبار طائفة السرية بما قد يحصل لها من التمر وهو غير مضمون ولا مطرد لا يسمى تفقها في الدين، وأن كان بدخل في عمون معنى الفقه، فإن التفقه هو التعلم الذي يكون بالتكلف والتدرج، والمتبادر من الدين علمه، ولا يصح هذا المعنى في ذلك العهد إلا في الذين يبقون مع النبي عليه السلام، فيزدادون كل يوم علما و فقها بنزول القرآن (13)
الراي المختارة
والذي يستقيم عندنا في تفسير الآية - وهو ما اختاره ابن جرير، ونقله عن الحسن البصري، ودافع عنه، ورفضه المنار، وجعل النظم الكريم بنبو عنه - هو الرأي الثاني القائل: أن الطائفة المتفقهة في الدين هي الطائفة النافرة، وذلك لجملة أسباب أهمها:
أولا: أن الرأي القائل: إن الطائفة المتفقهة هي القاعدة، يحتاج لكي يستقيم المعنى إلى تقدير وهو: فلولا نفرت طائفة وأقامت طائفة ليتفقهوا في الدين، والآخر لا يحتاج إلى تقدير، وما لا يحتاج إلى تقدير أولى بالقبول مما يحتاج إلى تقدير
ثانيا: أن النفر إذا كان مطلقا بغير صلة بشيء فالأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو، فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه، وكان جل شاؤه قال: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين علم أن قوله (ليتفقهوا) إنما هو شرط للنفر لا لغيره، إذ كان يليه دون غيره من الكلام
ثالثا: فأن قال قائل: وما تنكر أن يكون معناه: ليتفقه المتخلفون في الدين، قلنا: ننكر ذلك الاستحالته، وذلك أن نفر الطائفة النافرة لو كان سببا لتفقه الطائفة المتخلفة ويجب أن يكون مقامها منهم سببا لجهلهم وترك التفقه، وقد علمنا أن مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سبيا لمنعهم من التفقه
رابعا: وبعد فإنه قال جل ثناؤه (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) عطفا به على قوله:
71