تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك النهي عن التخلف عنه ووجوب الإتباع له، بسبب أن كل ما يصيبهم في جهادهم من أذى وأن قل، ومن إيذاء للعدو وأن صفر، فهو عمل صالح لهم به أكبر الأجر.

فلا بصبينهم ظما لقلة الماء، أو نصب لبعد الشقة أو قلة الظهر، أو مجاعة لقلة الزاد في سبيل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، ولا ينزلون منزلا يرهب الكفار ويغضبهم ويضيق صدورهم لأنه من دارهم، وبعدون وطأة اعتداء عليهم واستهانة بقوتهم، فينبطيهم أن تمسه أقدام المؤمنين أو حوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم - ومثله انتهالك مجالهم الجوي أو سيادتهم البحرية أو أن تجوس عجلات الدبابات خلال ديارهم، فكيف إذا يسر الله فتحه لهم ولا يصيبون من عدو الله وعدوهم شيئا في أنفسهم وأموالهم وأولادهم، ولا يبلغون منهم شيئا مما أرادوا من جرح أو قتل أو أسر أو هزيمة .. إلا كتب الله لهم بذلك كله ثواب عمل صالح قد ارتضاء، أن الله لا يدع محسنا من خلقه .. أحسن في عمله فأطاعه فيما أمره وانتهى عما نهى عنه، إلا أن يجازيه على إحسانه ويثيبه على صالح عمله .. والجهاد في سبيل الله إحسان .. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، في كل زمان ومكان، فما أكثر هذه الأعمال الصالحات التي تعم الأمور العارضة كالجوع والعطش، وتشمل كل حركة من بطشة يد أو وطأة قدم، ومنها الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرهم وإنما هي ناشئة عن أفعالهم

كذلك شأنهم فيما ينفقون في سبيل الله صغر أم كبر، قل أم كثر، وفي كل واد يقطعونه في سيرهم غادين أو رائحين لا يترك شيئا، بل يكتب لهم أجر عملهم ذلك، ليجزيهم الله - بكتابته في صحف أعمالهم - أحسن ما كانوا يعملون .. وهو الجهاد، فإنه عند وجوبه وفرضيته بالاستنفار له بكون أحسن العمل، إذ يتوقف عليه حفظ الإيمان وملك الإسلام وجميع ما بيتبعهما من فضائل الأعمال

وقال بعضهم - منهم الطبري: إنه تعالى يجزيهم بكل عمل مما ذكر أحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها، وهم مقيمون في منازلهم .. أي في غير الجهاد بالمال والنفس، بأن تكون النفقة الصغيرة فيه كالنفقة الكبيرة في غيره من المبرات، والمشقة القليلة فيه كالمشفة الكثيرة فيما عداه من الأعمال الصالحات") وعن قتادة ما ازداد قوم في سبيل الله بعدا عن أهليهم إلا أزدادوا قريا من الله

وقال الأوزاعي وابن المبارك: هذه الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة

إنه على الظمأ جزاء، وعلى النصيب جزاء، وعلى الجوع جزاء، وعلى كل موطئ قدم بغيظ الكفار جزاء، وعلى كل نيل من المد وجزاء، يكتب به للمجاهد، عمل صالح ويدوب به من المحسنين الذين لا يضيع لهم الله أجرا، وأنه على النفقة الصغيرة والكبيرة أجر، وعلى الخطوات لقطع الوادي أجر، كأحسن ما يعمل المجاهد في الحياة .. ألا والله أن الله لا يجزل لنا العطاء، وأنها والله للسماحة في الأجر والسخاء، وأنه لما يخجل أن يكون ذلك كله على أقل مما أحتمله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشدة واللأواء، في سبيل هذه الدعوة التي نحن فيها خلفاء، وعليها بعده أمناء

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٧٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٧٠١