تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بإحسان .. ثم بعد هذا الهتاف يستنكر مبدأ التخلف عن رسول الله .. (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الإعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) أن الجهاد في سبيل الله اعلى شعبية في الإيمان، وأقدس عمل يقوم به الفرد، ليرد عادية العدو من وطنه الإسلامي، ولبرسي قواعد الحق والعدل، والجهاد مع الرسول شرف كبير وسمو عظيم، فما كان بالذي يصح أن ينبغي لأهل المدينة سكان عاصمة الإسلام ومقر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بالذي يستقيم أو يحل حولهم من الأعراب المجاورين لهم .. كزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم () (أن يتخلفوا عن رسول الله (إذا خرج غازيا في سبيل الله، كما فعل بعضهم في غزوة تبوك، ولا في غير هذا من أمور الملة ومصالح الأمة، وليس لهم أن يكرهوا الأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه، ولا أن يفضلوا أنفسهم على نفسه، ولا يصرفوها عن نفسه الكريمة فيصونوها عما لم يصنها عنه، ويرغبوا بايثار راحتها وسلامتها عن بذلها فيما بيدل فيه نفسه الشريفة القدسية من احتمال الجهد والمشقة في سبيل الله .. بل عليهم أن يكابدوا ما بكابد، هو من الشدائد فهم أعلم الناس بقوله صلى الله عليه وسلم (لا بكمل إيمان المرء حتى أكون أحب إليه من نفسه ومال)

لقد أمروا أن يصحبوه على البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاء نفسه، علما بأنها أعز نفس على الله وأكرمها، فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدة وهول وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له، ولا يجترث لها أصحابها، ولا يقيمون لها وزنا، وتكون أخف شيء عليهم وأهوئه، فضلا عن أن بريأوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها، ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه، وفي التعبير تأنيب خفي، فما يؤنب أحد بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسام بأوجع من أن يقال عنه: إنه يرغب بنفسه عن نفس رسول الله، وهو معه، وهو بصاحبه وهذا نهى بليغا من تقبيح لأمرهم وتوبيخ لهم عليه وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية

وإنها الإشارة تلحق أصحاب هذه الدعوة في كل جيل، فما كان لمؤمن أن يرغب بنفسه عن مثل ما تعرضت له نفس رسول الله في سبيل هذه الدعوة، وهو يزعم أنه صاحب دعوة، وأنه يتاسي فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم. وتلحق أيضا كل راغب عن سنته وعن الإقتداء به: كالملاحدة الذين يقولون: لا يجب إتباعه بعد موته، والمبتدعة والمقلدة الذين يؤثرون بدعهم ومذاهبم على سنته

جزاء الجهاد إن الحرص على بذل الجهد لإعلاء كلمة الله، وأن الجهاد وعدم النكوص لنشر منهج رسول الله، هو الواجب الذي يوجبه الحياء من رسول الله، فضلا عن الأمر الصادر من الله - ومع هذا فالجزاء عليه ما اسخاها ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا بطأون موطئا بغيظ الكفار ولا ينالون من وعدد ونيلا إلا كتب لهم به عمل صالح أن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطنون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) ..

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٧٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٧٠٠