وأما الآخرون فتثاقلوا وبدأوا بتلمسون الأعذار، وجعلوا يتهامسون فيما بينهم ووبهزون بدعوة النبي إياهم لهذا الغزو النائي وفي ذلك الجو المحرق ووسخروا في نفوسهم منه أن يدعوهم لنقال بني الأصفر وأخذوا بثبطون ويعتذرون ويثيرون الفتن والاراجيف ويدبرون الكيد ويضعون العراقيل.
طلاب الدعة والراحة: هؤلاء هم المنافقون الذين نزلت فيها معظم سورة التوبة، وقد تحدثت أبائها في صرامة وعنف، ففضحت المنافقين وكشفت عن المترددين وأهانت طلاب الدعة والراحة والذين أثروا ظل القعود في بيوتهم وحقولهم على حر الصحراء وعناء السفر ومتاعب الجلاد، وقال فوم من المنافقين بعضهم لبعض: (لا تنفروا في الحر) - زهادة في الجهاد وشكا في الحق ووارجافا برسول الله صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تبارك وتعالي فيهم: (قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون البضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاءا بما كانوا يكسبون)
وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من المنافقين يجتمعون في ببث سويلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فبعث إليهم النبي طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ففعل طلحة فاقتحم الفعال بن خليفة من طهر البيت فانكسرت رجله ,وافنعم أصحابه فأفلتوا ,ثم تاب الضحاك.
واستأذن بعض المنافقين رسول الله في التخلف معاقة الفتنة ببنات الروم .. روي ابن اسحق عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه (أي ان زوة تبولك) الجد بين قيس أخي بني سلمه: (هل لك با جد في جلاد بني الأصفر؟) "بنى الروم" فقال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني رواني أخشى أن رأيت نساء بني الأصفر الا أصبر عنهن ,فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك ففي الجنه بن قيس نزلت (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني " وفي أذنه صلى الله عليه وسلم للجد وغيره نزل عتاب الله لنبيه في القرآن مصدرا بالعفو عنه في اجتهاده: (علي الله عنك ولم أذنت لهم؟ حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين. إلى أخر ما ورد من آيات بشأن المنافقين وانباء جيش العسرة تفيض بها صفحات طوال وأبات كثيرة في سورة التوبة ,وهي أطول ما نزل من القرآن في قتال بين المسلمين وخصومهم .. وقد بدأت باستنهاض الهمم ترد هجوم المسيحية على الإسلام، وافهام المسلمين مغبة تقصيرهم في اداء هذه الفريضة وواشعارهم بأن الله لا يقبل ذرة من تفريط في حماية دينه ونصرة نبيه ,وان التراجع أمام الصعوبات الحائلة - دون قتال الروم - بعتبر مزلقة إلى الردة والنفاق (مالكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض؟ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة الا قليل ,الا تنفروا بعذبكم عذابا ألبما ويستبدل قوما غيركم ولا تضرؤه شيئا).
ولعل من البين في أسلوب القرآن وهو يصف هذا الجهاد أنه لم تأخذه هوادة في التنويه
732