والمنافقين ووجوب مباينتهم والاحتراز عن موالاتهم، فكأنه قيل: إن الإله الرحيم الكريم كيف بليق به هذا التشديد الشديد في حق هؤلاء الكفار والمنافقين؟ فأجيب عنه تعالى لا يؤاخذ أقواما بالعقوبة بعد إذ دعاهم إلى الرشد، حتى يبين لهم ما يجب عليهم أن يتقوه، فأما بعد أن فعل ذلك وأزاح العذر وأزال العلة فله أن يؤاخذهم بأشد المؤاخذة والعقوبة
وعن الحسن: آن الآية نزلت حين مات بعض المسلمين قبل أن تتزل الفرائض، فقال إخوانهم: يا رسول الله، إخواننا الذين ماتوا قبل نزول الفرائض ما منزلتهم وكيف حالهم وهذا يقتضي أن الآية نزلت مبكرة في أوائل العهد المدني، والظاهر خلافه.
قال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيان طاعنه ومعصيته عامة، ما فعلوا أو تركوا، يعني أن الآية عامة وأن نزلت في مسألة استنفارهم للمشركين.
وعن ابن عباس: إنها نزلت حين اخذوا الفداء يوم بدر من الأسارى المشركين، قال: لم يكن لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم، ولكن ما كان الله ليعذب قوما بذنب أذنبوه حتى يبين لهم ما بنفون، قال: حتى ينهاهم قبل ذلك أ. ه قال المنار ردا على هذا: الآية متأخرة النزول عن غزوة بدر، ولكنها شاملة لحكمها، فقد تقدم أن أخذ الفداء من الأسرى هو في معنى الاستنفار للمشركين هنا من حيث أنه خلاف ما يقتضيه شأن النبوة والإيمان لقوله تعالى: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض"4) فهذا نفى للشأن كتفى الاستغفار هنا (4)
والمعنى: أن الله تعالى لا يحاسب الناس إلا على ما بين لهم أن يتفوه ويعذروه ولا بأنوه وليس من شأن الله تعالى في حلمه ورحمته، ولا من سننه في خلقه التي هي مظهر عدله وحكمته، أن يذهب بهدي فوم ويصفهم بالضلال ويجرى عليهم أحكامه بالذم والعقاب بعد. إذ هداهم للإيمان، وشرح صدورهم للإسلام، بمجرد قول أو عمل صيدي عنهم بخطأ الاجتهاد.
حتى يبين لهم ما يثقون ما يجب انقاؤه من محظورات الدين من الأقوال والأفعال ببانا جلبا واضحا لا شبهة فيه ولا أشكال ذلك أن الإنسان قاصر، والله هو العليم بكل شين، ومنه البيان والتعليم، أن الله بكل شيئ عليم فهو يشرع لهم من الأحكام ما نگمن به فطرتهم، ويستقيم به رأيهم وفهمهم، فيبين لهم مهمات الدين بالنص القاطع، حتى لا يضل فيه اجتهاد باهواء نفوسهم، ويترك لهم مجالا للاجتهاد فيما دون ذلك من مصالحهم، فهو لهذا لم يؤاخذ إبراهيم
في استغفاره لأبيه قبل أن يتبين له حاله، وكذلك لا يؤاخذ النبي والذين آمنوا بما سبق لهم من الإستغفار لوالديهم وأولى القربي منهم قبل هذا القبين لحكم الله في ذلك، وأن كان من شأنه أن يعلم أنه من لوازم الإيمان
إن الله تعالى جعل هذا الدين يسرا لا عصرا، فبين ما نهى عنه بيانا واضحا، كما بين ما أمر به بيانا واضعا، وسكت عن أشياء لم يبين فيها بيانا - لا عن نسيان، ولكن عن حكمة وتيسير، ونهي عن السؤال عما سكت عنه لئلا ينتهي السؤال إلى التشديد .. ومن ثم فليس الأحد أن يحرم شيئا من المسكوت عنه، ولا أن ينهي عمل لم يبينه الله، تحقيقا لرحمة الله بالعباد.
720