تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنما يتأوه من خشية الله، ويتحسر على المشركين من قومه ولا سيما أباه، حليم صبور على البلاء، صفوح عن الأذى، لا بستنفذه الغضب، ولا يعبث به الطيش، ولا يستخفه الجهل أو هوي النفس، ومن لوازمه: الصبر والثبات والصفح والتأني في الأمور واتقاء العجلة في كل من الرعب والرهب، ولقد آذاه أبوه فكان حليها، وتبين أنه عدو لله فتبرأ منه وعاد له ضارعا

وورد أن إبراهيم يعد من الخزي له يوم القيامة أن يكون أبوه في النار، كما رواه البخاري من حديثه. رؤيته في النار، وأنه يقول: يا رب أتك وعدتني أن لا نخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخرى من أبي الأبعد؟ "فيمسخ الله أباه زيخا - وهو ذكر الضباع الكثير الشعر - حتى لا يخزي إبراهيم برؤية أبيه في النار على صورته المعروفة له ولقومه.

المناسبة بين الآيتين: وفي تعلق هذه الآية بما فيلها وجوه

1 - كأنه قيل: فرق بين الاستغفار الذي نهينم عنه واستغفار إبراهيم .. فإن أستغفار كان قبل التبين وكان عن موعدة دعاه إليها فرط رأفته وحلمه، وما نهيثم عنه ليس كذلك،

2 - أو أن المقصود منه أن لا يتوهم إنسان أنه تعالى منع محمد صلى الله عليه وسلم من بعض ما أذن لإبراهيم فيه.

3 - أو يقال: السبب هو المبالغة في إيجاب الانقطاع من الكفار أحيائهم وأمواتهم، ثم بين تعالى أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد صلى الله عليه وسلم، بل المبالغة في تقرير الانقطاع كانت مشروعة أيضا في دين إبراهيم عليه السلام، فتكن المبالغة أقوي

4 - أو أنه تعالى وصف إبراهيم في هذه الآية بكونه أواها كثير التوجع والتفجع عند نزول المضار بالناس، وبكونه حليما قليل الغضب، والمقصود أن من كان موصوفا بهذه الصفات كان ميل قلبه إلى الاستغفار لأبيه شديدا، فكأنه قيل: إن إبراهيم مع جلالة قدره، ومع كونه موصوفا بما ذكر منعه الله تعالى من الاستغفار لأبيه الكافر، فلا أن يكون غيره ممنوعا من هذا أولى.

لا عنوية بغير نص الريط وسبب النزول

ولقد ورد أنه لما نزلت الآيتان خشى الذين كانوا يستغفرون لآبائهم المشركين أن يكونوا قد ضلوا لمخالفتهم عن أمر الله في هذا، فنزلت الآية التالية تطمئنهم من هذا الجانب ونقرر القاعدة الإسلامية، أنه لا عقوبة بغير نص، ولا جريمة بغير بيان سابق على الفعل: وما كان الله ليضل فوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، أن الله بكل شيئ عليم ..

وقيل: إن أقواما من المسلمين الذين استغفروا للمشركين كانوا قد ماتوا قبل نزول هذه الآية فوقع الخوف عليهم في قلوب المسلمين أنه كيف يكون حالهم؟ فأزال الله تعالى ذلك الخوف عنهم بهذه الآية، وبين أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن بين لهم أنه يجب عليهم أن يتفوه ويحترزوا عنه، وقيل: إن المراد أن من أول السورة إلى هذا الموضع في بيان المنع من مخالطة الكفار

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٦٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٦٥٦