لها، واستدلوا بما أخرجه البيهقي في الدلائل وابن أبي حاتم في تفسيره وغيرهما عن ابن مسعود قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما إلى المقابر، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا، ثم بكى، فبكينا لبكائه، ثم قام فصلى ركعتين، فقام إليه عمر، فدعاه ثم دعانا، فقال: (ما أبكاكمة) قلنا: بكينا ليكائك، قال: (أن القبر الذي جلست عنده قمبر آمنه، واني استاذنت ربي في زيارتها فأذن لي، وأستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، وأنزل على ما كان للنبي، فأخذني ما باخذ الولد للوالدة من الرقة، فذاك الذي ابكاني، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الآخرة). |
ولا يخفى أن الصحيح في سبب النزول هو الأول، لقوة أحاديثه، نعم خبر الاستئذان في الاستغفار لأمه صلى الله عليه وسلم وعدم الإذن له جاء في رواية صحيحه، لكن ليس فيها أن ذلك سبب النزول، فقد أخرج مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة - رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال صلى الله عليه وسلم: (استأذنت ربي أن استغفر لها فلم يأذن لي، وأستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكركم الموت).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما فتح الله تعالى مكة سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي أبوبه أحدث به عهدا؟ قيل: أمك، فذهب إلى قبرها، ووقف دونه، ثم قعد عند رأسها وبكي فسأله عمر وقال: نهيتنا عن زيارة القبور و البكاء ثم زرت وبكيت، فقال: (قد أذن لي فيه، فلما علمت ما هي فيه من عذاب الله (39) وأني لا أغنى عنها من الله شيئا بكيت رحمة لها (3)
وروى الإمام أحمد - بسنده - عن ابن بريدة عن أبيه قال: كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم ونحن في سفر فنزل بنا ونحن قريبا من ألف راكب، فصلى ركهنين، ثم أقبل علينا بوجهه، وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب، وفداه بالأب والأم، وقال: يا رسول الله مالك؟ قال: (أفني سألت ربي عز وجل في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وأني كنت نهيتكم عن ثلاث: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها لتذكركم زيارتها خبرا ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوها وأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشربوا في أي وعاء شئتم، ولا تشربوا مسکرا).
فهذه الأحاديث وغيرها دلت على أستئذان الرسول في الاستغفار لأمه وعد الأذن له فيه لكنها لا تدل من قريب ولا من بعيد على أن الآية نزلت بسبب ذلك، وهو بعين أنها نزلت في استغفار الرسول لأبي طالب.
رأي ابن حجر: لكن الحافظ بن حجريري رايا أخر حيث بسلك طريق الجمع بين الأحاديث، فيجعل كلا من الحادثتين سبيا لنزول الآية .. فإن يكون ثمة سبب متقدم، وهو أمر أبي طالب، وسبب متأخر وهو أمر آمنة، ومع أن ذلك خلاف الأصل فقد ارتضاه ..
قال رحمه الله: (وهذا فيه أشكال، لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقا، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أني قبر أمه لم اعتبر، فاستأذن ربه أن يستغفر لها، فنزلت
711