وتثقل خطوه في السعي إليه، كالاشتغال بالحياة وتتمير المال ومعالجة التجارد أوالزراعة ونحوه. أو كالحرص على الحياة و الخوف من الموت، أو الاستنقال لأعباء السفر ومشقة الانتقال والتعرض المتاعب الطريق، وما يتعرض له المسافر من حر أو برد أو جوع أو ظمأ، فالخفة والنقل في الأشخاص تكون بالنظر إلى الأجسام وصفاتها .. من صحة ومرض، وشباب وكبر، ونشاط، وكسل ويكونان بالنظر إلى الأحوال الخارجية، من قلة وكثرة وفقر و غني ووجود الشواغل وعدمها.
والآية تقرر .. أنه يجب على المؤمنين النفير العام حين الدعوة إليه، على أي حال كانوا - خفافا أو ثقالا - ماراموا قادرين على حمل السلاح، وليست هذه العوارض المادية أو المعنوية التي تعرض للمسلم، بالتي تعفيه من أن يكون في جبهة القتال مع أخوانه المجاهدين في سبيل الله، فهو آثم خارج على أمر الله وأن هو لم ياخذ مكانه ويؤدي الواجب المدعو إليه .. ولا يباح الأحد أن يتخلف إلا في حال العجز التام () وهو كما تدل على الآية (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج أذا نصحوا الله ورسوله
على أن هذا الثالث مقيد بها اذا لم يجد من يحمله، ويذلك كانت الآية محكمة لأنسة فيها، ولا تعارض بينها وبين قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فإن هذا أما أن يكون للنفرة في تعلم العلم وأحكامه، وأما أن يكون في غير الدعوة العامد للجهاد (24)
وقد أرشدت الأية إلى أن الجهاد لا يكون بالنفس فحسب، بل وبالمال أيضا لمن يملك المال، وقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، لأن املال عند من يحرص على المال أحب إليه من نفسه، ولأنه في القوة الغالبة التي تنقل الإنسان وتبطئه عن الجهاد، فإذا سخا بالمال و بذله في سبيل الله خفت نفسه إلى الجهاد، وانطلق من القيد الذي كان يمسك به من أن يكون في المجاهدين، ف من قدر على الجهاد وانطلق من القيد الذي كان يمسك به عن أن يكون في المجاهدين، فمن قدر على الجهاد بالمال والنفس وجبا عليه، ومن قدر على أحدهما وجب عليه ماقدر عليه، وفي الحديث: (من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا) (2) فلكل مسلم مكانة في المعركة، اذ ليست المعركة معركة أفراد فحسب، بل هي معركة سلاح وعتاد ومؤونة، بل هي قبل ذلك که معركة مشاعر وأحاسيس .. فالأمة المسلمة كلها ينبغي أن تكون في مواجهة المعركة على شعور واحد ينتظم جميع أفرادها .. هو شعور الجهاد لأعلاء كلمة الله واقامة الحق والعدل، ومواجهة العدو الذي يقاتل في سبيل الطاغوت والتصدي له وطلب الغلب عليه.
ولهذا فقد بين الله فائدته بقوله ذلكم خير لكم أن كنتم تعلمون" .. تعلو كلمتكم، ويعظم سلطانكم، ويحفظ كيانكم، وتنالون به الخير في الدنيا والآخرة .. أما الدنيا، فلا حياة للأمم فيها ولا ذكر ولا سيادة الا بالقوة الحربية، والقعود عن القتال والتقصير عن إعداد عدته بشرى الأعداء بالقاعدين والمقصرين وحب الراحة بجلب التعب، وأما الآخرة، فلا سعادة فيها الا لمن ينصر الحق، ويقيم العدل، وينفذ أحكام الله وشرائعة، ولا يمكن هذا كله الا باستقلال الأمة وقدرتها على حفظ سيادتها وسلطاتها، يقوتها ورد تسلط الأعداء عليها ...
ثم ذبلت الآية بما يدل على أن هذا المبدأ مما يدرك الناس خيريته بعقولهم، وعلمهم بشنون الحياة والاجتماع أن كنتم تعلمون.