تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النصر والتأييد .. وتشير إلى ما حصل في غزوة الأحزاب ("") اذ جاءتهم الجنود من فوقهم ومن أسفل منهم، واذ زاغت أبصارهم ويلفت القلوب منهم الحناجر، فأيدهم الله بنصره وأرسل على أعدائهم ربحا وجنودا لم يروها، وفي هذا نقول سورة الأحزاب (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم اذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ربعا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا)) |

وتشير إلى ما حصل في غزوة حنين حينما تفرق شمل المؤمنين، فأيدهم الله ونصرهم، وفي ذلك تقول هذه السورة (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين ... ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين)) |

ثم أشارت الآية بعد ذلك إلى نتيجة هذا التأييد في بناء علو كلمة الله وانحطاط كلمة الكافرين .. (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا) ..

إن الله أبطل كيدهم، وأفسد تدبيرهم، وفوت عليهم ما أرادوا بالنبي من سوء، وأبطل ما دبروا من كبد، وما بينوا من عدوان .. وكيف يكون لهم تماسك أمام تلك القوة القادرة القاهرة؟ فكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار، وظلت كلمة الله في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة .. |

وقد قرأ بعقوب: (وكلمة الله بالنصب، ولكن القراءة بالرفع أقوى في المعنى، لأنها تعطي معنى التقرير، فكلمة الله هي العليا طبيعة وأصلا بدون تصوير متعلق بحادثة معينة. فهي عالية في نفسها، وأن فافها غيرها فلا ثبات لتغيره ولا اعتبار، ولذلك وسط ضمير الفصل منا - دون سابقتها - مشيرا إلى أن كلمة الله هي في المكان المتمكن الذي تست ولي به على كل شين بحيث لاتقف لها قوة، ولا يحول دونها حائل، وأنها منفردة بهذه المنزلة دون غيرها من الكلام البشري على أي مستوى، فهي وحدها هي العليا المتفردة بهذا المقام، المتمكن من العلو، ولهذا جاء بعدها الوصف المناسب لصاحب هذه الكلمة .. والله عزيز) ممتنع غالب، بقلب كل شيئ ولا بقلبه شيئ، ولا عزة لأحد مع عزته، ولا يقلب حقه باطل، ولا بذل أولياؤه (حكيم) بضع الأمور مواضيها القائمة على ميزان الحكمة، فقد نصر رسوله بعزته، وأظهر دينه على الأديان كلها بحكمته، وأذل كل من ناوأه وناوا المتقين من أمته، وقدر النصر في حينه لمن يستحقه من متبعي رسالته، أما هؤلاء الذين يستشعرون العزة والقوة من أنفسهم على غيرهم من الضعفاء فإن عزتهم عزة غاشمة جهولة، وقوتهم قوة حمقاء، تضرب بغير حساب ولا تقدير.

وأنا لنرى العزة والحكمة أدل على الله وأنسب للمقام من كل سواهما من الصفات، فهو عزيز بقوته حكيم بتدبيره، ولولا اقتران حكمة الله بعزته ماطاول هؤلاء المشركين ولا أملي لهم، ولا أرخى لهم حيل غرورهم حتى يغتروا به، وهو في كل ذلك عزيز لا يغلب حکيم لا ينحرف، وقلما اجتمعت العزة والحكمة للناس في نطاق واحد، لأن العزة هي القهر والغلبة والحكمة هي وضع الشيئ في موضعه، وقل أن يكون القوى القاهر واضعا كل شيئ في موضعه، لاتدفعن العزة ولا يستنفذ، الغضب ولا تصرفه القوة و الصولة عن اللين والأناة و ابشار الصلع والصفح على البطش والقتال، وأن فبما أفاضه الله على عباده المؤمنين من تعم وخيرات لعبرة بالغة وأية بينة في حكمة العزيز وعزة الحكيم). دار مسر الحروسة

988

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٦٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٦٢٧