تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليست الهجرة انتقال موظف من بلد إلى بلد نأء، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرض مغصبة، إنها اکراه رجل أمن في سريه، ممتد الجذور في مكانه على إهدار مصالحه والتضحية بماله والنجاة بشخصه فحسب .. إنه مستباح منهوبه بسمير نحو مستقبل مبهم، لا يدري أيهلك في أول الطريق أم في نهايته ولكنه الإيمان الناضح الذي بحبل البشر إليخلائق تباهي الملائكة سناء ونضارة .. الإيمان الذي يزن الجبال ولا بطيش، وإيمان بمن؟ بالله الذي له مافي السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير ولكنها الثقة الغامرة بالله، والقلب الكبير الذي يهدئ من روع صاحبه ويطمئن من نفسه ..

ان يقول لصاحبه لاتحزن (1) أن الله معنا بالنصر والمعونة والحفظ والعصمة والتأييد والرحمة، ومن كان الله تعالى معه - بعزته التي لا تغلب، وقدرته التي لا تقهر، وولابنه الدائمة التي لا تنقطع، ورحمته التي قام ويقوم بها كل شين - فهو حقيق بأن لا يستسلم لحزن أو خوف فنحن غير مكلفين بشئ من الأسباب أكثر مما فعلنا من استخفاتنا هنا مع أخذ الحيطة الكاملة.

مصدر هذا النصر .. ثم ماذا كانت العاقبة، والقوى المادية كلها في جانب، والرسول صلى الله عليه وسلم مع صاحبه منها مجرد كان النصر المؤزر من عند الله، ومصدر هذا التصر أمران؛ داخلي برجع إلى أنزال الله السكينة في قلبه، والثقة بتمام نصر الله له .. وبها خرج من مكة ووصل إلى النار وأقام فيه مع صاحبه، وطمأن صاحبه وبها خرجا منه، وبها وصلا إلى المدينة، وبها رتب شأنه، وأقام أسس مجتمعه الجديد، على .. المسجد والأخوة والمعاهدات. ودخل مع القوم في حروب .. فأنزل الله سكينته عليه) وخارجي، وهو الأمداد بقوي من قوى الحق - فكانت عينا تحرسه ويدا ترد من يريد السوء به - والامداد بجنود لا يراها القوم، وانما كانوا يرون أثر ذلك في نهاية الغزوات، حتى أكمل الله دينه وجاء نصر الله والفتح (وأيده بجنود لم تروها).

والجنود التي بخذل بها الباطل، وينصر بها الحق ليست مقصورة على نوع معين من السلاح، ولا صورة خاصة من الخوارق، أنها أعم من أن تكون مادية أو معنوية، واذا كانت مادية فإن خطرها لا يتمثل في ضخامتها، فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيش ذي الجب (وما يعلم جنود ربك الا هو) " ومن صنع الله لنبيه أن تعمى عنه عيون عدائه، وهو منهم على مد الطرف، ولم يكن ذلك محاباة من القدر لقوم فرطوا في استكمال أسباب النجاة، بل هو مكافأة من القدر لقوم لم يدعوا وسيلة من وسائل الحذر الا اتخذوها ..

ولا ريب أن ذلك التأييد لم يكن في حادث الهجرة وحده، وأنما كان نصر الله أباء وتأبيده بالجنود التي لم يرها الناس في المواقع الحربية التي حصلت بعد ذلك فقوله تعالى (وايده بجنود لم تروها) بشير إلى غزوة بدر، والمسلمون في قلة من العدد والعدد، وقد خرجوا للعير لا للقتال، وقد أراد الله أن تكون لهم ذات الشوكة، وأدركوا ضعفهم، وأخذ النبي بستغيث ربه فاستجاب له (إني ممدكم بالف من الملائكة مردفين، وما جعله الله إلا بشرى، ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم) | وفيها يقول (اذ يوحى ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا) (") وقد تم لهم بذلك

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٦٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٦٢٦