عنقه، وكان هو الرسول الوحيد الذي قتل من رسل النبي صلى الله عليه وسلم وحاملي كتبه وقد حزن النبي لمقتله حزنا شديدا، وكان العرب والناس جميعا متواضعين على قتل الرسول من أكبر أنواع الغدر التي نشن الحرب لأجلها، وهذا فوق ما توجبه الحكمة في تأمين طريق الدعوة، وقد قدر الروم أنفسهم أن محمدا وأصحابه لا يسكتون على قتل الرسول، فأخذوا حذرهم، وحشدوا من الروم ومتنصرى العرب قوة يستأصلون بها أمر محمد، وحينما علم الرسول بذلك جهز جيشا بضعف به من حدة الثائرين عليه الهازئين بدعونه، وأنقذه إلى الروم فوجد الحشد على قوة واستعداد، وكانت الموقعة المعروفة بموقعة مؤته، وقد استشهد فيها ثلاثة من فواد المسلمين، عقد النبي لهم لواء الجيش على الترتيب وهم زيد بن حارثة. فجعفر بن أبي طالب، فعبد الله بن رواحة وقال: (إن قتل عبدالله بن رواحة فلبرنض المسلمون الامارتهم رجلا من بينهم).
وفعلا قتل عبدالله بن رواحة وهم بعض المسلمين بالرجوع ولكن بادرهم عقبة بن عامر بقوله: با فوم، بقتل الإنسان مقبلا خير من أن يقتل مدبرا .. فتراجعوا واتفقوا على تأمير القائد، سيف الله في أرضه، خالد بن الوليد .. وبمهارته الحربية انقذ جيش المسلمين، وكان عدده ثلاثة الاف - من جيش الروم الذي كان عدده حوالي مائة وخمسين ألفا.
سلم الجيش ورجع إلى المدينة وكانت هذه الموقعة أولى المواقع بين المسلمين والروم، وبعدها فتح المسلمون مكة ثم جاءت السنة التاسعة، وتوالت الأنباء للنبي بأن الروم قد جمدوا للمسلمين الجموع، وأعتزموا غزوهم في بلادهم، فأمر النبي أن بنجهز المسلمون ويأخذوا عدتهم ويخرجوا إلى تبوك لقتال الروم في بلادهم قبل أن يفاجلوه هو في بلده، وكانت غزوة تبوك التي يأتينا تفاصيل أحداثها ونتائجها في الفصل الثالث من هذا الباب إن شاء الله
وقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم بعدها مشغولا بأمر الروم، اعتقادا منه أنهم لا بعدلون عن غزو المسلمين، فجهز في أخر حياته لغزوهم، الجيش الذي انفذه - من بعده صلى الله عليه وسلم - خليفته الأول أبوبكر رضي الله عنه بقيادة أسامة بن زيد، و به توالت الفتوحات الإسلامية في الروم والفرس، وامتدت كلمة الله على معظم أجزاء المعمورة في عهد خلفائه الراشدين.
وكان استعظامهم للجهاد وتثاقلهم عن الغزو برجع لأسباب منها:
شدة الحر، شدة القحط، بعد المسافة، الحاجة إلى الاستعداد الكثير، ادراك الثمار بالمدينة مهابة عسكر الروم، قرب العهد برجوعهم من غزوتي حنين والطائف، على حين طابت الظلال وأبنعت الثمار وحبب إلى الناس المقام،، عندئذ بدأت تظهر في المجتمع المسلم تلك الأعراض التي سبقت في المقدمة، كما وجد المنافقون فرصتهم للتخذيل، فقالوا: لا تنفروا في الحر وخوفوا الناس بعد الشفة، وحذرهم بأس الروم ..
وكان لهذه العوامل المختلفة أثرها في تناقل بعض الناس عن النفرة، وهذا ما تعالجه هذه الفقرة، حيث تبدأ بالعتاب للمتخلفين، والتهديد بعافية التثاقل عن الجهاد في سبيل الله
980