أن عندهما ما عندهما من التبر، فكان جزاؤهما ذلك. وأما لأن هذا كان في صدر الإسلام ثم قرر الشرع ضبط المال وأداء حقه، ولو كان ضبط المال ممنوعا لكان حقه أن يخرج كله، وليس في الأمة من يلزم هذا، وحسبك حال الصحابة وأموالهم، وأما ما ذكر عن أبي ذر فهو مذهب له في رضي الله عنه (95)
على أن أحاديث أبي ذر رضي الله عنه السالفة الذكر لا تدل على وجوب انفاق كل ما زاد على الحاجة، وإنما هو في الزهد في المال، وإنما الزهد من صفات النفس، وتفضيل انفاقه في وجوه البر على امساك ما فضل عن الحاجة، وهو عزيمة الخواص الذين ليس لهم عيال، لا المشروع لكل الناس، فإن نصوص الكتاب والسنة كثيرا منها يدعو إلى القصد والإعتدال فمن الأبات قوله تعالى: (والذين إذا اتفقوا لم يعرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما)) (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) 17) ومن الأحاديث الصحيحة المشهورة حديث نهيه صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن التصدق بجميع ماله واجازنه بالثلث مع قوله «والثلث كثيره
ولنا أن نتساءل: ما السبب الذي حدا بأبي ذر إلى مخالفة رأي الجمهور ودعوته إلى ذلك المذهب الذي عرف عنه؛ ذكروا أن السبب هو ما أخرجه أحمد والطبراني عن شداد بن أوس قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر فيه الشدة، ثم بخرج إلى باديته، ثم يرخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، فيحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر الرخصة فلا يسمعوا أبو ذر، فيأخذ أبو ذر بالأمر الأول الذي سمع قبل ذلك ..
واستبعد مثل هذا السبب، فملازمة أبي ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه المبكر وأخذه عن الرسول وتلقيه منه وروايته عنه الكثير من الأحاديث كل ذلك ينفي هذا التعليل .. والسبب الحقيقي لتشدده: استعداده الفطري للأخذ بالعزائم و احتمال الشدائد و واحتقار التنعم والسعة في الدنيا، وعرف هذا التشدد عن أفراد من الصحابة رضي الله عنهم ونهاهم عنه صلى الله عليه وسلم، وقد اختبر معاوية أبا ذر فأرسل إليه مالا كثيرا، فلم يلبث أن تصدق به، وأرسل إليه صهيب ابن مسلمة وهو أمير بالشام ثلاث مائة دينار، وقال: استعن بها على حاجتك، فردها وقال لرسوله: ارجع بها إليه، أما وجد أحد أغر بالله منا مالنا الا الظل نتواري به، وثلاثة من غنم تروح علينا، ومولاة لا تصدق (98) علينا بخدمتها، ثم إنى لأنا أتخوف الفضل.
فجملة هذه الأخبار والآثار تدل على أن الكنز المتوعد عليه في هذه الآية هو ما لم تؤد زكاته، وكذا النفقات الواجبة التي لا تجب الزكاة إلا فيما زاد من المال عليها .. وما قدمناه قبل يدل على أن الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودماؤه ثم فعل الخليفتين من بعده أكبر شاهد على ما ذكرنا، ومع ذلك فقد كثر فينا البخلاء والمسرفون، وقال الزهاد والمقتصدون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. |
433