المبحث الثاني فيمن نزلت هذه الآية؟ في ذلك ثلاثة أراء:
1. أن تكون هذه الجملة نزلت في الكثير من الأحبار والرهبان الذين باكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، وهو مروي عن معاوية والضحاك، ووجهه: أنه مقتضي السباق، وأن الكلام فيهم، فهم الذين جمعوا بين أكل أموال الناس بالباطل من أخذ الرشا وغيره، وبين كنزها وانضمن بها والامتناع من اتفاقها في سبيل الله، بل ينفقون كثيرا منها في صدهم الناس عن سبيل الله .. وفيه على هذا دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة
ويجوز أن تكون في المؤمنين المخاطبين بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) في أول هذه الآية المبينة لحال أولئك الأحبار والرهبان الذين صار جمع الأموال والأفتنان بكثرتها وخزنها في الصناديق واستغلالها في البنوك أعظم همهم في الحياة، لأنهم فقدوا لذة الحياة الروحية بمعرفة الله تعالى وحشيئه ومحبته وعبادته. تحذيرا للمؤمنين من الأخلاد إلى هذه الحياة المادية القاسية وهو مروي عن السدي
3. ويجوز أن تكون في المسلمين وفي أهل الكتاب جميعا .. وهو مروي عن أبي ذر .. وهو الصحيح المختار، لأنه لو أراد أهل الكتاب خاصة لقال: (ويكنزون بغير (والذين) فلما قال:
والدين، فقد استأنف معنى أخر، وبين أنه عطف جملة على جملة، وأيضا فإن اللفظ مطلق فيجب جريانه على اطلاقه وعمومه.
وأولذلك الأحبار والرهبان يدخلون فيه أولا وبالذات، بدلالة السياق، لأنهم هبطوا في المطامع المادية إلى أسفل الدكارت فيكون نسق الآية أنه تعالى وصفهم بالحرص على أخذ أموال الناس بالباطل، ثم أردفه بوعيد كل من امتنع عن اخراج الحقوق الواجبة من ماله. تنميها على أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه غير مزكي كل هذا الوعيد، فما ظنك بحال من سعي في أخذ مال غيره بالباطل والتزوير والمكره
وروى البخاري وغيره من حديث زيد بن وهب قال: مررت بالربذة " فإذا أنا بأبي ذر رضي الله عنه فقلت: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في (والذين يکنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك، وكتب إلى عثمان رضي الله عنه بشکوني، فكتب إلى عثمان: أن أقدم المدينة، فقدمتها فكثر على الناس حتى كأنهم لم يروني قبل الليل" فذكرت ذلك لعثمان، فقال: إن شائت تنحيت فكانت قريبا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا على حبشيا لسمعت وأطعت .. وذكر الحافظ في شرح هذا الحديث من الفتح: أن زيد بن وهب إنما سأل أبا ذر من نزوله في ذلك المكان لأن مبغضي عثمان كانوا يشنعون عليه نفى أباذر، وقد بين أبو ذر أن نزوله فيه كان باختياره، قال: نعم أمره عثمان بالسعي عن المدينة لدفع المفسدة التي خافها على غيره من مذهبه المذكور، فاختار الريذة، وقد كان يفدوا إليها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما