أوجبنه عليهم عقولهم وغيرتهم الملية والقومية، ولا يغارون منهم، وإنما يرضون أن يكونوا عالة عليهم، تركوا دينهم فضاعت باضاعتهم له ديناهم .. نسوا الله فنسيهم (5) (نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فالواجب على دعاة الإصلاح فيهم أن يبدأوا بإصلاح من بقي فيه بقية من الدين والشرف بتأليف جمعية لتنظيم جمع الزكاة منهم، وصرفها لمستحقيها على أنيراعى أن لسهم المؤلفة قلوبهم مصرفا في مقاومة الردة والإلحاد، وأن لسهم فك الرقاب مصرفا في تحرير الشعوب المستعمرة في الاستعباد، وأن لسهم سبيل الله مصرفا في السعي لإعادة حكم الإسلام، وهو أهم من الجهاد لحفظه في حال وجوده من عدوان الكفار، ومصرفا آخر في الدعوة إليه والدفاع عنه بالألسنة والأقلام، إذا تعذر الدفاع عنه بالمدافع والقنابل.
إلا أن أبناء جميع المسلمين أو أكثرهم للزكاة وصرفها بنظام، كاف لإعادة مجد الإسلام، بل لإعادة ما سلبه الأجانب من دار الإسلام، وإنقاذ المسلمين من رق الكفار، وما هي إلا بذل العشر أو نصفه أو ربعه مما فضل من حاجة الأغنياء، وإننا نرى الشعوب التي سادت المسلمين بعد أن كانوا سادتهم، يبذلون أكثر من ذلك في سبيل عقيدتهم، وهو غير مفروض عليهم من ربهم، فهل نجد من أهل الاستقامة والقدرة من ينهض به؟ اللهم وفق وأعن وسدد خطا المصلحين.
عقاب مانعي الزكاة قال الله تعالى (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم بحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون)) .. والآية نصور عذاب كل من يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله، ولا يصرف منها في أي وجه من وجوه الخير العام، بل يجمعها ويكدسها، لا لغابة إلا حب التملك والإفتاء .. تصور عذابهم في الآخرة بما كزوا من مشهد من المشاهد التصويرية الرائعة المروعة .. إن رسم المشهد هكذا في تفصيل، وعرض مشهد العملية منذ خطواتها الأولى إلى خطواتها الأخيرة ليطيل المشهد في الخيال والحس، وهي أطالة مقصودة
فبشرهم بعذاب أليم) .. ويسكت السياق، وتنتهي الآية على هذا الإجمال والإبهام في العذاب .. ثم يأخذ في التفصيل بعد الاجمال نيبين هذا المصير المشئوم الذي سيصير إليه هذا المال الكثير من اكتتزوه، وأنهم إذ خلفوه وراءهم فلم ينفقوه في سبيل الله فإنه قد نبههم إلى آخرتهم ليلقاهم هناك في يوم القيامة حيث لا ييع ولا شراء .. ولكن لابد أن يكون لهذا المال عمل، وقد صار إلى أصحابه، وليس هناك إلا النار التي يعيشون فيها ويتعاملون معها، (يوم يحمى عليها في نار جهنم)
وحين ينصل هذا المال. من ذهب أو فضة. بالنار سينعول إلى كتل من الجمر، وينتظر السامع عملية الإحماء
ثم ها هي ذي حميت وأحمرت، وها هي ذي معدة مهيأة فليبدأ العذاب الأليم. ها هي ذي الجباه تکوي