ولما كان الدين مرشدا للبشر إلى تزكية أنفسهم وتقويم أخلاقهم بما تصلع به فطرتهم، ويرتقي به أفرادهم وجماعتههم، شرع الله فيه من الأحكام التعبدية والعملية ما يقيهم شر هذه الفتنة وينقذهم مما يترتب على اهمالها من المحنة، فأوجب على أصحاب الأموال من النفقات والصدقات ما يبدل سيئات الثروة في الإسلام حسنات، يقلب الأحقاد والضغائن على أصحاب المال والغنى إلى محبة وأخوة صادقة .. وأهم هذه النفقات والصدقات ما أوجبه الإسلام على متقبه من زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، وجعل هذه الزكاة تطهيرا وتزكية لأصحابها من الأوضار والآثام التي تعلق بهم .. وذلك بشمل أفرادهم وجماعتهم، فهي تطهر أنفس الأفراد من ارجال البخل والدناءة والقوة الأثرة، والطمع والجشع، ومن أكل أموال الناس بالباطل، من خيائة وسرفة وغضب وربا وغير ذلك. فإن الذي يتربي بالإيمان على بذل بعض ما في بده او ما أودعه في خزانته وصندوقه في سبيل الله أينقاء مرضاته، ومنفرة ذنوبه، ورفع درجاته، جدير بأن ينزه نفسه عن أخذ مال غيره بغير حق .. وهذا التطهير لا نفس الأفراد وتزكيتها بالعلم والعرفان، والتقوى التي هي مجموع ثمرات الإيمان، بستلزم تطهير جماعة المؤمنين من أرجاس الرذائل الاجتماعية التي هي مثار التحاسد والتعادي والبني والعدوان، والفتن والحروب.
وكل هذه التطهيرات والتنظيفات بجمعها قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدفة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم أن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم).
سبب النزول قال ابن جرير، حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وصاحبيه (2) انطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: خذ من أموالنا فتصدق بها عنا، وصل علينا .. يقولون: استغفر لنا .. وطهرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أخذ منها شيئا حتى أؤمر»، فأنزل الله (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم أن صلاتك سكن لهم) بقول: استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوا، فلما نزلت الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم جزءا من أموالهم فتصدق بها عنهم، ولقد كانت تلك الحساسية التي بعثت القدم والتوبة في تلك القلوب جديرة بالطمأنينة حفيفة بالعطف الذي يسكب فيها الأمل، ويفتح لها أبواب الرجاء .. ورن كان رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو يقود حركة، ويربي أمة، وينشيء نظاما، قد رأى الأخذ بالحزم في أمرهم حتى يأتيه أمر من ربه في شأنهم،، ثم جاء الأمر ومن الله عليهم لما علمه سبحانه من حسن سريرتهم وصدق تويتهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بعض أموالهم ويتصدق بها عنهم.، ذلك أن أخذ الصفة منهم برد إليهم شعورهم بعضويتهم الكاملة في الجماعة المسلمة، فهم يشاركون في واجباتها، وينهضون بأعبائها، وهم لم ينبزوا منها ولم ينبتوا عنها، وفي تطوعهم بهذه الصدقات تطهير لهم وتزكية.
101