والنصوص القرآنية في السور المتوالية تكشف لنا عن طبيعة هذه الأعراض التي كان المنهج القرآني يتعرض لها بالعلاج بشتي أساليبه الربانية الفريدة
قدار إيمانية متفاوتة مع تقارب في المستويات الإيمانية إلا إن قوام المجتمع المسلم في المدينة كان بظل سليما في جملته بسبب اعتقاده أساسا على تلك القاعدة الصلبة الخالصة من السابقين من المهاجرين والأنصار، وما تحدثه من تماسك وصلابة في قوامه في وجه جميع الأعراض، والظواهر، والخلخلة أحيانا، والتعرض للمخاطر التي تكشف عن هذه العناصر التي لم يتم بعد صهرها، ونضجها وتماسكها، وتناسقها.
وشيئا فشيئا كانت هذه العناصر تنصهر، وتتطهر، وتتناسق مع القاعدة، ويقل عدد الناشرين من ضعاف القلوب، ومن المنافقين، ومن المترددين كذلك، والمنهيبين، وممن لم يتم في نفوسهم الوضوح المتردي الذي يقيمون على أساسه كل علاقاتهم مع الآخرين .. حتى إذا كان قبيل فتح مكة كان المجتمع الإسلامي أقرب ما يكون إلى التناسق التام مع قاعدته الصلبة الخالصة، وأقرب ما يكون بجملته إلى النموذج الذي يهدف إليه المنهج التربوي الرباني الفريد.
نعم انه كانت في هذا المجتمع ما تزال هناك أقدار متفاونة أنشأتها الحركة العقيدية ذاتها، فتميزت مجموعات من المؤمنين بأقدارها على قدر بلاها في الحركة وسبقها وثباتها.
تميز السابقون الاولون من المهاجرين والأنصار، وتميز أهل بدر، وتميز أصحاب بيعة الرضوان في الحديبية، ثم تميز بصفة عامة الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وجاءت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، والأوضاع العملية في المجتمع المسلم تؤكد هذه الأقدار التي أنشأتها الحركة بالعقيدة وتنص عليها.
ولكن تميز هذه الطبقات بأقدارها الإيمانية التي أنشأتها الحركة الإسلامية، لم يكن مانعا أن تتقارب المستويات الإيمانية، وتتناسق في مجتمع المدينة قبيل الفتح، وأن يتوارى الكثير من أعراض الخلخلة في الصف، والكثير من ظواهر الضعف والتردد والشح بالنفس والمال، وعدم الوضوح العقيدي والنفاق .. من ذلك المجتمع، بحيث يمكن اعتبار المجتمع المدني بجملته هو القاعدة الإسلامية
إلا إن فتح مكة في العام الثامن الهجري، وما أعقبه من استسلام هوازن وثقيف في الطائف، وهما أخر قوتين كبيرتين بعد قريش في الجزيرة، قد عاد فصب في المجتمع المسلم أفواجا جديدة كثيرة دخلت في الين مستسلمة على درجات متفاوتة من المستويات الإيمانية وفيهم كارهون للإسلام منافقون، وفيهم المنساقون إلى الإسلام الظاهر القاهر، وفيهم المؤفة قلوبهم دون انطباع بحقائق الإسلام الجوهرية ولا امتزاج بروحه الحقيقية
ومن هذه المقتطفات بتضح لنا أن هذه الطبقات من المسلمين. بمجموعاتها الثلاث: السابقون الاولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان» .. كانت تؤلف، القاعدة الصلبة للمجتمع المسلم في الجزيرة بعد الفتح، وكانت هي التي تمسك المجتمع كله في كل شدة وفي كل رخاء كذلك (). وكانت هي الكوكبة الأولى التي تقدمت ركب الإسلام الميمون، وكانت هي الكواكب الدرية التي بزغت بين يدي فجره الوليد.
640