تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا قرت عيون الأنصار، وامتلأت قلوبهم سكينة وأمنا، إذا عرفوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يخلى مكانه من بينهم، ولن يحرمهم هذا الخير الذي ساقه الله إليهم، وأنهم هم أهل الرسول وانصاره، وأن بلدهم هو بلده وموطنه وحسبهم هذا، ولساعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم خير لهم من الدنيا وما فيها .. وهكذا كان بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاء لما في الصدور وجلاء للبصائر، فسكنت الوساوس، وقرت العيون، ولهجت الألسن بالحمد لله رب العالمين والأنصار. في تاريخ الدعوات. مثل فريدة للرجال الذين تقوم بهم الرسالات العظمى، حتى إذا استوت على سوقها، وتجاوزت أيام محنتها ومؤنتها، وتدلت ثمارها، وحلا جناها، جاءت أيد غير أيديهم فقطفت ما تشتهي، ولم تكتف بذلك بل لطمت أبدى الفارسين حتى لا تلتقط من الثمار الساقطة قليلا ولا كثيرا، ولا نقول ذلك تعليقا على توزيع الغنائم في هذا المقام، فقد اتضح وجه الرشد في هذه القسمة الحصيفة .. ولكنا نذكر في مناقب الأنصار، وافتراض ترفعهم عن الدنيا في سبيل الدين وتأليف الناس عليه أن شئون الحكم ابتعدت عنهم، واجتازها غيرهم، وهم لها أكفاء .. فلم تمض ثلاثون سنة حتى كانت في أبدى الطلفاء ..

ولا ريب في أن أولئك المتجردين لله سوف يلقون جزاءهم الأوفى، وأن شأن الدنيا أنزل قدرا من أن بأسى عليه رجل العقيدة .. غير أننا نتساءل: أكان من مصلحة الرسالات نفسها أن تقع هذه الأثرةة أم كان من سوء حظ الإسلام أن بلقي هذا اللون من الحكام، فيفصي أصحاب السبق، وأولو النصرة، ويملك زمام الدين آخر الناس دخولا فيه وبصرا به |

الاخاء بين المهاجرين والأنصار ولما استقر المسلمون بالمدينة الهم الله سبحانه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بعمل يعتبر غاية في حسن السياسة، واصالة الرأي، وبعد النظر، فقد عقد بين المهاجرين والأنصار أخوة يتعاونون، ويتوافقون، ويتقاصرون ويتوارثون ذلك الإخاء الكامل الذي تمحي فيه كلمة وأنا ويتحرك الفرد فيه بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كيانا دونها، ولا امتدادا إلا فيها

ومعنى هذا الاخاء: أن تذوب عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه .. وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخوة عقدا نافذا، لا لفظا قارغاء وعملا يرتبط بالدماء والأموال لا تحية تثرثر به الألسنة ولا يقوم لها أثرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخ الأكبر لهذه الجماعة المؤمنة لم يتميز عنهم بلقب أعظم خاص، وفي الحديث: لو كنت متخذا من أمتي خليلا لزتخذته. بعنى أبي بكر. خليلا، ولكن أخوة الإسلام أفضل ")

والإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة، فحيث يشيع الجهل والنقص والجبن والبخل والجشع، لا يمكن أن يصح اخاء، أو تترعرع محبة، ولولا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جبلوا على شمائل نقية، واجتمعوا على مبادئ رضية، ما سجلت لهم الدنيا هذا التأخي

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٥٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٥٣٤