الغيب والشهادة، فينبئكم بما كنتم تعملون () وقل لهم أيها الرسول اعملوا لدنياكم، وآخرتكم ولأنفسكم، وأمتكم، فإنما العبرة بالعمل لأبالإعتذار عن التقصير، ولا بدعوى الجد، والتشمير .. وخير الدنيا والآخرة منوطان بالعمل، وهو لا يخفى على الله، ولا على الناس أيضا
وهو دعوة عامة للمبادرة إلى العمل في مجال الخير، والإحسان، وفي العمل في هذا المجال يعرف العاملون بأعمالهم من خير أو شر .. فما كان في السر أو في الجهر بعلمه الله، لأنه عليم بالمقاصد، والنوايا، لا تخفى عليه خافية من بواطن الأمور وظواهرها، وماكان في الجهر بعلمه الرسول، والمؤمنون، ويعلمون كثيرا من أعمال السر المختبئة بإطلاع الله لهم عليها وفضح أصحابها، فيزنون هذا العمل بميزان الإيمان المميز بين الإخلاص، والنفاق، وهم شهداء الله على الناس.
وعلى حسب هذه الأعمال بجزى الله، ويضع المحسنين، والمسيئين كل منهم في منزله وبج زبه الجزاء الذي هو أهل له، وعلى ما يظهر من هذه الأعمال الرسول وللمؤمنين يكون قرب العاملين أو بعدهم من رسول الله ومن المؤمنين، ويكون حسابهم معهم من موالاة أو معاداة .. هذا في الدنيا، فإذا جاءت الأخرة وكان البعث بعد الموت كشف الغطاء عن أعمال العاملين خبرها وشرها، جوزوا عليها بالإحسان احسانا وبالسوء سوءا، وسنردون إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم فعل الجوارح وكوامن الصدور، فينبئكم بما كنتم تعملون في الدنيا مما كان مشهودا للناس منه، وما كان غائبا عن علمهم منه، ومن نپاتكم فيه، ينبئكم به عند الحساب، وما يترتب عليه من الجزاء بحسن الثواب أو سوء العذاب (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية") (يوم تبلى السرائر)) (وحصل ما في الصدور 14
وأورد الرازي سؤالين: أولهما أن عملهم لا يراه كل أحد، فما معنى هذا الكلام وأجاب عنه: بأن معناه وصول خبر ذلك العمل إلى الكل، وثانيهما: ما الفائدة في ذكر الرسول والمؤمنين بعد ذكر الله في أنهم يرون أعمال هؤلاء التائبين وأجاب قائلا: فيه وجهان
الأول: إن أجدر ما يدعو المرء إلى العمل الصالح ما يحصل له من المدح، والتعظيم والعز الذي بلحفه عند ذلك، فإذا علم أنه إذا فعل ذلك الفعل عظمه الرسول والمؤمنون، عظم فرحه بذلك، وقويت رغبته فيه .. ومما ينبه على هذه الدقيقة أنه ذكر رؤية الله تعالى أولا: ثم ذكر عقبيها رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فكأنه قيل: ان كنت من المحققين في عبودية الحق فأعمل الأعمال الصالحة لله تعالى، وان كنت من الضعفاء المشغولين بثناء الخلق فأعمل الأعمال الصالحة بثناء الخلق، وهو الرسول والمؤمنين
الثاني: ما ذكره أبو مسلم: أن المؤمنين شهداء الله يوم القيامة، كما قال: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) الآية، والرسول شهيد الأمة كما قال: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا 9) فثبت أن الرسول، والمؤمنين شهداء الله يوم القيامة، و الشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية، فذكر أنهم يرون هذه الأعمال للشهادة (9)
ولعله بدخل في رؤية المؤمنين الأعمال ما ورد أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من
10