والحق في هذا أنه إن صح هذا الحديث فهو عدد الذين سبق تهديدهم في هذه السورة الظهور نفاقهم دون الذين مردوا على النفاق، ولكن لم يروا لنا ما كان من أمر هؤلاء بعد هذه الفضيحة بكفرهم، ومنعهم من الصلاة، ومقتضاه أن تجرى عليهم أحكام المرتدين، ومثل هذا لا بخفى، وتتوفر الدواعى على نقله بالتواتر أو الإستفاضة، ولم يرو لنا المحدثون شيئا فيه، قال المنار (3): والذي أراه أن الرواية غير صحيحة، والله أعلم.
قال الطبري: ان في قول الله جل شاه (ثم يردون إلى عذاب عظيم) دلالة على أن العذاب في المرتين كلتيهما قبل دخولهم النار، والأغلب من إحدى المرتين أنها في القبر " ولعل تكرير عذابهم لما فيهم من الكفر المشفوع بالنفاق، أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه، وجوز أن يراد بالمرتين التكثير كما في (فأرجع البصر كرتين) لقوله سبحانه (أولا يرون أنهم يفتون في كل عام مرة أو مرتين).
ما يستفاد من الآية
1. إن المنافقين فريقان: فريق عرف بأفوال فالوها، وأعمال عملوها، وفريق مردوا على النفاق وحذقوه، وكل من الفريقين يوجد في كل عصر، وفي عصرنا الحاضر نجد ذينك الفريقين المنافقين؛ فريق اتخذهم الأجانب المعتدون على بلاد الإسلام دعاة وولائي وأعوانا على استعباد أمنهم، واستعمار أوطانهم، يزعمون أنهم بخدمون أمنهم ووطنهم عن طريق استمالتهم واسترضائهم وأنهم لولا هم لما وقف الفاصب المستعمر من الظلم، وهضم الحقوق عند الحد الذي هم عليه، ووفريق أخر بخدمون الأجانب خدمات خفية لا تشعر بها الأمة لأنهم مردوا على النفاق، وأشدهم مردوا واتقانا للنفاق أعوان الحكام المستبدين الذين يلبسون الباطل لباس الحق ويروجونه في أعين الجماهير خدمة لأولئك الحكام، وشرهم وأضرهم الذين يلبسون لباس علماء الذين
2. واستدل بالآية على أنه لا ينبنى الاقدام على دعوى الأمور الخفية من أعمال القلب ونحوها، وقد أخرج عبد الرازق وأبن المنذر وغيرهما عن قتادة أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون علم الناس يقولون: فلان في الجنة، وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا آدريا لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفته الأنبياء قبلكه فال نوح عليه السلام، وما علمى بما كانوا يعملون .. وقال شعيب عليه السلام: وما أنا عليكم بحفيظ، وقال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ولا تعلمهم نحن نعلمهم
هذه الاية ونحوها أقوى دليل في الرد على من بزعم الكشف، والإطلاع على المغيبات بمجرد صفاء القلب، وتجرد النفس عن الشواغل.
في الآية دلالة على اثبات عذاب القبر. 3. الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا
وبين المستويين المتقابلين مستويان بين بين، فليسوا من المنافقين، ولا من السابقين الأولين، ولا من الذين اتبعوهم بإحسان لا إساءة فيه، ولكنهم من المؤمنين المذنبين .. أحدهما واخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا") عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم».
554