بمنزلة هذه القلة من أعراب البادية الذين خلصوا من كدر البداوة، وسلموا من أدرانهاء واوضارها.
أما الحديث عن الآبة نفسها فهذا ما نرجئه قليلا، إذ آثرنا أن نستقل بفصل وحدها، هو الفصل الثالث من هذا الباب. إن شاء الله. حتى يمكن توفيه من تضمنتهم الأبة بعض حقهم، والله الموفق
2. المنافقون الذين مردوا على النفاق:
بعد هذه الصورة المشرفة التي عرضتها هذه الاية لحملة المؤمنين، وأهل السبق والاحسان وما أعد لهم من نعيم وما أسبغ عليهم من رضا، تجيء الآية التالية لتعرض صورة معتمة طامسة، لأهل الزيغ، والضلال، والمردة من المناقين، وتكشف عن وجوه منكرة للإنسائية حين تفسد فطرتها، وتشوه معالم إنسانيتها .. وممن حولكم من الأعراب منافقون، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم
إن بعض الأعراب الذين حولكم. أيها المؤمنون. منافقون، قال البغوي: وهم من مزينة وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار، كانت منازلهم حول المدينة (3) وأن من أهل المدينة نفسها منافقين أيضا من الأوس والخزرج، ولقد سبق الحديث والكشف عن المنافقين بعامة. سواء من هؤلاء أو أولئك. واعلم الله رسوله بهم في هذه الصورة بما صدر عنهم من الأقوال، والأفعال المنافية للإيمان، ولكن الحديث عن جماعة خاصة من المنافقين ..
جماعة حذقوا النفاق، ومرنوا عليه، ولجوا فيه، ومردوا (3) حتى بلغوا الغاية من اتقانه وجعله بحيث لا يشعر به أحد لاتقائهم جميع الإمارات، والشبهات التي تدل عليهم .. إنهم شبوا على النفاق، ووضعوا أخلاقه، وخف عليهم محمله، وصاروا فيه اساتيد بل أضعي بعضا منهم أشبه بجارحة من جوارحهم، حتى ليخفى أمرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بعرفهم مع كل تجريته، وفطنته، وقسوة خاطرة وصفاء حدسه، ونفسه، ودقة فراسته التي تنظر بنور الله
فإذا كانوا قد حذفوا في النقية، وتجنبوا منارات الشبهة، واشند اهتمامهم بإظهار الإخلاص، والولاء، وإذا كانوا قد برعوا في النفاق، وصاروا أساتذة فيه لا يكاد يطلع عليهم أحد، وهم يتعاملون به وبتعاطون کوسه منوعة، فإن من لا تخفى عليه خافية بعلمهم، ويقف على سرائرهم المركزة فيهم، وهو سبحانه يتولى حسابهم، ويأخذهم بذنوبهم، ويفضحهم في هذه الدنيا بما ينزل من آيات فيهم ولا تعلمهم، ونحن نعلمهم.
وهو لا ينافي قوله تعالى (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضنانهم، ولو نشاء لأرينكهم فلعرفتهم بسيماهم، ولتعرفنهم في لحن القول (") لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات بيرفون بها، لا أنه بعرف جميع من عنده من أهل النفاق، والريب على التعيين، ولعل هؤلاء أخف نفاقا، وأشد تقية من الذين يعرفون بسيماهم، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا إن كان يراه صباحا ومساء، ويشهد على
552