تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2. استيلاء الهواء الحار اليابس عليهم، وذلك بوجب مزيد من التيه والنكبر، والنخوة والفخر، والطيش فيهم.

أنهم ما كانوا تحت سياسة سائس، ولا نأديب مؤدب، ولا ضبط ضابط، تنشأوا كما شاءوا، ومن كان كذلك خرج على أشد الجهات فسادا.

أن من أصبح وأمسى مشاهدا لوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبياناته الشافية وأدبياته الكاملة كيف يكون مساويا لمن لم يؤثر هذا الخير ولم يسمع خبره)

الثاني: إنهم. لبعدهم عن مواقع الهدى من رسول الله ومن المؤمنين. أحق وأخلق من أهل الحضر بان لا يعلموا حدود ما أنزل الله (3) على رسوله، من البينات، والهدى في كتابه، وما آناه من الحكمة التي يببن بها تلك الحدود بسنته القولية، والفعلية وفهم الفاظ القرآن اللغوية لا يكفي في علم حدوده العملية .. وكان أهل المدينة، وما حولها من القرى بتلفون عنه صلى الله عليه وسلم كل ما ينزل عليه من القرآن وقت نزوله، ويشهدون سنته في العمل به، وكان يرسل العمال إلى البلاد المفتوحة، يقيمون بها بيلفون القرآن، ويحكمون بين الناس به والسنة المبينة اله، فيعرف أهلها تلك الحدود التي حدها الله تعالى، ونهاهم أن يعتدوها

ولم يكن هذا كله ميسورا لأهل البوادي، ولذا فهم مأمورون بالهجرة لأجل العلم والنصرة لأن الإسلام دين علم، وحضارة فالجدارة (4) بالجهل. من الحضر. لما أنزل الله على رسوله ليست ناشئة من ضعف أفهامهم، أو بلادة أذهانهم، أو ضيق نطاق بيانهم، فقد كانوا مضرب الأمثال في فوة الجنان، ولوذعية الأذهان، وذرابة اللسان، وسعة بيداء البيان، وعنهم اخذ رواة العربية أكثر مفردات العربية و أساليبها، وإنما هي ناشئة من ظروف حياتهم، وطبيعة بدواتهم، وماتنشئه في طباعهم من جفوة، ومن بعد من المعرفة، وعن الوقوف عند الحدود، ومن مادية حسية تجعل القيم المادية هي السائدة، وإن كان الإيمان بعدل من هذه الطباع، ويرفع من تلك القيم، وبصلهم بالأفق الوضي، المرتقع على الحسيات.

وقد وردت روايات كثيرة عن جفوة الأعراب .. ومما أورده ابن كثير في التفسير: قال الأعمش عن إبراهيم قال: جلس إعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت بده قد أصيبث يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني، وأن يدك تتريبنيا فقال زيد؛ وما يريبك من بدي؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله ورسوله والأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبي موسى عن وهبا بن منبه، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتي السلطان افتتن (9) ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم بعث الله منهم رسولا، وإنما كانت البعثة من أهل القرى (كما قال تعالى: «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى، ().

ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فرد عليها اضعافها

41

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٤٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٤٩٢