تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحكم الله فيهمه هو الحكم، ورضا الناس. ولو كانوا هم المسلمين، فرضا وهذا ما لا يكون أبدا. في هذه الحالة لا يغير من غضب الله عليهم، ولا يجديهم قتيلا .. إنما السبيل إلى ارضاء الله هو الرجوع عن الفسق والعودة إلى دين الله القويم.

والله لا يرضى عن القوم الفاسقين: الخارجين عن أمره عنهم أو من غيرههم، فإن هذا الفسوق سبب أو علة لسخط الله تعالى، فالحكم بعدم رضاه متعلق به لا بذواتهم وشخرمهم ومقتضاه أنه إذا فرض أن بعض المؤمنين رضي عنهم وآمن لهم باعتذارهم بعد النهي عنه كان فاسقا مثلهم محروما من رضائه تعالى، كما أن من يتوب منهم ويرضى الله ورسوله بخرج من حدود سخطه عز وجل، ويدخل في حظيرة مرضاته، إذ لا يعد بعد ذلك فاسقان

فأحكام الله العامة ووعده و وعيده تتعلق بالأعمال، والصفات النفسية، والبدنية لا بالذوات والأعيان، ولو قال (فإن الله لا يرضى عنهم) لما أفاد التعبير هذه الحقائق والمعاني، بل كان يكون حكما على أفراد معينيين مسجلا عليهم الموت على كفرهم، وعدم قبول توبة أحد منهم وما أبعد هذا عن حكمة الله وعن هدى كتابه العزيز،

ولا ينافي هذا التحقيق ما بروي عن ابن عباس من نزول هذه الآيات في الجد بن قيس ومعشب أبن قشير وأصحابهما من المنافقين، وكانوا ثمانين رجلا، أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة بأن لا يجالسوهم ولا يكلموهم، إذ لا دليل على أن هؤلاء مقصودون من الأبات بذواتهم وشخوصهم كالذين نهي عن الاستغفار لهم، وعلله بموتهم على كفرهم كعبد الله ابن أبي، وقد قال قتادة: إن هذه الآيات نزلت فيه، فإنه حلف النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته، إنه لا يتخلف عنه، وطلب أن يرضى عنه، فلم بفعل، والآيات أعم من هذا وذاك.

وهي من أنباء الغيب بما فيها من بيان مقاصدهم الخفية، وإن كان الإعتذار والحلف من سجاياهم المعروفة

وهكذا كشف الله هؤلاء القاعدين - من غير عذر. في الجماعة المسلمة، وقرر العلاقات النهائية بين المسلمين والمنافقين، كما فررها من قبل بين المسلمين وبين المشركين وأهل الكتاب وكانت هذه السورة هى الحكم النهائي في العلاقات بين المسلمين وخصومهم.

ما يستفاد من آيات هذا الفصل ويؤخذ من الآيات غير ما تقدم

1. الاقلال من الضحلك والاكثار من البكاء لقوله صلى الله عليه وسلم (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى، لوددت أني كنت شجرة تعضد، أخرجه الترمذي، وكان الحسن البصري ممن غلب عليه الحزن فكان لا بضحك، وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول: الله أضحك وأبكي .. وكان الصحابة يضحكون، إلا إن الإكثار منه وملازمته حتى يغلب صاحبه مذموم منهي عنه، وهو من فعل السفهاء والبطالة، وفي الخبر: «ان كثرته تميت القلب، وأما البكاء من خوف الله وعقابه

29

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٤٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٤٧٨