تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المذكور، انقطعت طرق المؤاخذة دونهم (2). وليس عليهم جناح وهمه بحسنون بقدر ما يستطيعون فلا جناح على المحسنين، إنما الجناح على المسيئين

والشرع الإلهى لا يؤاخذ المسيئين إلا بقدر أسأتهم، أما المحسنون في جزاهم الله أضعاف احسانهم ويقبل أحسن أعمالهم ويصفح عن سيئاتهم (أولئك الذين تتقبل عنهم أحسن ما علموا ونتجاوز عن سيئاتهم)) فإذا ندت منهم بادرة تقصير، أو لم يبلغوا في الإحسان غابته فإن رحمة الله واسعة ومغفرته شاملة، بصفح عن المقصرين، ويستر عليهم ما لا يخلو منه البشر من ضعف في أداء الواجبات لا ينافي الإخلاص، والنصح لله ورسوله .. والله غفور رحيم).

أخرج ابن أبي حاتم والدارقطني في الأفراد عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت براءة، فاني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنظر ما ينزل عليه إذ جاءه أعمى، فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت (ليس على الضعفاء، الآية، وفي الألوسي (93): (الذين لايجدون ما بنففون) فيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة.

فعذر الحق سبحانه أصحاب الأعذار، وما صبرت القلوب، فخرج ابن أم مكتوم إلى أحد وطلب أن يعطى اللواء، وهو أعمى، وهذا الأعرج، عمرو بن الجموح من نقباء الأنصار وهو في أول الجيش فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد عذرك، فقال: والله لأحفرن بعرجتي هذه في الجنة، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ولقد كان الرجل يؤتى به بهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف (24)

،، البكاؤون لا جناح على الضعفاء والمرضى والفقراء إذا نصحوا الله ورسوله، ولا جناح كذلك على القادرين على الحرب ولكنهم لا يجدون الرواحل التي تنقلهم إلى أرض المعركة .. وإذا ما أتولك يا رسول الله لتوهين لهم مواصلات يركبونها إلى الميدان. ولم يكن بين يدبك ولا في جيش المسلمين ما تحملهم عليه. قلت لا أجد ما أحملكم عليها فإذا حرموا المشاركة فيها لهذا السبب، امتلئت نفوسهم أسى وحسرة، وانصرفوا وهم في حال بكاء شديد، هاجه حزن عميق فكانت أعينهم تمتلي، دمعا فيتدفق فائضا من جوانبها تدفقا، حتى كأنها ذابت فصارت دمعاء فسالت ها، وحزنا منهم وأسفا أن فاتههم حظهم من الجهاد، وإن لم يكن في أيديهم ما بينفقونه في سبيل الله، وفي اعداد المركب الذي بحملهم مع المجاهدين .. وهؤلاء هم الذين عرفوا في التاريخ الإسلامي بالبكائين، وإذا كان بكاء الرجال مذموما في كل موطن، إلا إنه هنا في هذا المقام. مقام التعامل مع الله، محمود غاية الحمل، ومطلوب من المؤمن أن يكون هنا حاضر الدمية غزيرها، وفي الحديث: إن لم تبکوا فتباكوا، فالدمعة هنا دمعة عزيزة على الله ولا تقع على الأرض، كما تقع دموع الباكين فتضيع بددا، وإنما تتلقاها ملائكة الرحمة، فإذا هي نهر جار من نور يغمر فيه صاحبها، فإذا هو خلق من نور، أصفى من الجوهر وأضوء من

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٤٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٤٧١