تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اعتذر بعضهم وقعد بعض، فإن الذين كذبوا الله ورسوله كلهم كفارا، وأما المعتذرون فمنهم الصادق في عذره والكاذب فيه، لمرض في قلبه، أو لتكذيبه لله ورسوله، وكل منهم يعرف نفسه فيحاسبها إذا وجد الوعيد موضعا للعبرة منها، ولو جعل التبعيض لهم وحدهم لظل القاعدون الكاذبون بغير وعيد، وهم شر من شرهم، فلا يصح التبعيض فيهم وحدهم.

ومن ثم افتضي التحقيق آن بوجه الوعيد إلى الذين كفروا منهم لكفرهم، لا لاعتذارهم، وإلى الذين فقدوا لكفرهم، لا لقعودهم، بل للكذب الذي كان سببه، وهو عين الكفر، وهو تم يذكر بصيغة الحصر لأن من القعود ما يكون بعذر من الأعذار المنصوصة في الآية التالية وهم أولو الضرر في قوله تعاليك (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم)) فالإبهام لمستحقي هذا الوعيد من الفريقين، من بلاغة القرآن التي امتاز بها اعجازه البياني (2)

وترى جماعة قليلة: أنها صنف واحد وأن القعود وتكذيب الله ورسوله هو الوصف الذي وصف به أولئك المعذرون والسمة التي وسموا بها، فهم الذين قعدوا متخلفين عن الجهاد، وهم الذين افتروا الكذب على الله ورسوله بهذه الأعذار التي اختلقوها وجاءوا إلى النبي بها.

وفي هذا الخبر تهديد ووعيد لهم، إذ ليس مرادا به الإخبار عنهم، وأنهم قعدوا، وإنما هو خبر يكشف عن جريمة غليظة، ويحدث عن منكر عظيم.

وفي قوله تعالى: (وقعد الذين كذبوا الله ورسوله) حكم عليهم بالإدانة، وأن هذه الأعذار التي أعتذروا بها إنما هي محض كذب وافتراء، إذ هم الذين كذبوا الله ورسوله، وقد عدل عن الضمير إلى الأسم الظاهر، ليعرضوا هذا العرض الكاشف عن كذبهم، ويسمعوا حكم الله عليهم ..

وهؤلاء المعذرون الذين كذبوا الله ورسوله هم جميعا من أهل الكفر، فلبس فيهم كافر وغير كافر، ولا مثوى للكافرين غير العذاب الأليم، فحرف الجر في امنهم، للبيان لا للتبعيض (17).

أصحاب الأعذار الحقيقية لما بين السباق الوعيد في حق من يوهم العذر مع أنه لا عذر له، أخذ يحدد التبعية فليس الخروج ضرية لازب على من يطيقون ومن لا يطيقون: فالشريعة الإسلامية قائمة على اليسر ورفع الحرج عن المؤمين، فلا اعنات فيها ولا مشقة، ولا عسر في تكاليفها، ولا بكلف الله نفسها إلا وسعها، والذين عجزوا عن التفرة لكونهم أصحاب أعذار حقيقية ظاهرة، ينطق بها لسان الحال قبل أن ينطق بها لسان المقال، لا تثريب عليهم، ولا مؤاخذة لهم، فقد أغناهم الله عن أن يقفوا هذا الموقف، فعذرهم قبل أن ينذروا، ورفع الحرج عنهم (ليس على الضعفاء، ولا على المرضى، ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون

حرج إذا نصحوا لله ورسوله، ما على المحسنين من سبيل، والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا الا بجدوا ما بنفقون).

19 ه

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٤٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٤٦٩