تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والزمني وأصحاب العاهات، والعلل، والأطفال، والاماء، والعبيد .. رضوا أن يكونوا مع هذه الطوائف من الناس، وهم أصحاب طول وحول، لم يكن يرضيهم أبدا أن يكون بينهم وبين هذه الطوائف أمر جامع، أو صفة مشتركة، فكيف. وهم أصحاب الحول والطول. ينزلون إلى هذا المستوى الذي يضيفهم إلى مجتمع الصبيان والعبيد، ولكن هكذا أرادوا أن يكونوا، وهكذا صنعوا بأيديهم هذا الثوب الذي لبسوه، ثوب الصفار، والإمتهان

(وطبع على قلوبهم فهم) لأجل ذلك (لا يفقهون عن الله مواعظه فيتعظون بها، أو لا يفقهون أسرار حكمة الله في الأمر بالجهاد أو ما فيه صلاح لهم فيفعلونه وما فيه مضرة لهم فيجتنبونه، أولا يفهمون ما بخاطبون به فهم تدير واعتبار فيعملون به .. وفيه أشارة إلى أنهم وقد لبسوا ثياب المهانة، والخزي بهذا الموقف الذي وقفوه لا يدركون ما وقع عليهم من ذلة وهوان، إذ كانت أعينهم في عمي، وقلوبهم في غفلة وعقولهم .. ولو كانوا يفقهون لأدركوا ما في الجهاد من قوة وكرامة، وبقاء كريم، وما في التخلف من ضعف، ومهانة، وفناء ذميم

آن للذل ضريبة كما أن للكرامة ضريبة، وأن ضريبة الذل لأفدح في كثير من الأحايين، وان بعض النفوس الضعيفة ليخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة لا تطاق، فتختار الذل والمهانة هربا من هذه التكاليف الثقال، فتعيش عيشة تافهة رخيصة، مفزعة قلقة تخاف من ظلها وتفرق من صداها، بحسبون كل صيحة عليهم، ولتجدنهم أحرص الناس على حياة .. هؤلاء الأذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة، أنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة، يؤدونها من نفوسهم، وبؤيدونها من أقدارههم، ويؤيدونها من سعتهم، ويؤيدونها من اطمئنانهم، وكثرا ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون، ومن هؤلاء، أولئك الذين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون

صورة مشرقة وضيئة

وهناك الوجه الآخر المشرق الوضيء من وجهي هذا الموقف .. وهو أمر الله بالإيمان ودعوته إلى الجهاد .. فإذا كان المنافقون وأصحاب الطول فيهم قد نكصوا على أعقابهم ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف. وما كان أولئك الجبناء البخلاء، بأهل للقيام بهذه الأعباء، من البذل والجهاد بالنفس والسخاء. فإن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلوا كل طاقتهم وأنفقوا كل وسعهم، فما إن دعاهم الله إلى الجهاد حتى طاروا إليه مراعا، ونفروا خفافا وثقالا، وإذا كان المخلفون قد ألبسهم الله بنخلفهم ثوب الخزي والذلة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجاهدين قد تلقاهم الله حفيا بهم موسعا لهم في رحاب فضله ورضوانه فيلا أبديهم من المغانم، وكتب لهم النصر على عدوهم، ومكن لهم في الأرض، وبدلهم من بعد خوفهم أمنا.

لكن الرسول والذين آمنوا معه)) وهم طراز آخر غير ذلك الطراز (جاهدوا بأموالهم وأنفسهم) فنهضوا بتكاليف العقيدة وأدوا واجب الإيمان، وعملوا للمرة التي لا تنال بالقعود. (وأولئك لهم الخيرات) .. خبرات الدنيا والآخرة، في الدنيا لهم العزة ولهم الكرامة ولهم المغتم، ولهم الكلمة العليا من شرف النصر ومحو كلمة الكفر، واجتثاث شجرة الشرك واعلاء كلمة الله، وإقامة الحق والعدل والسيادة في الأرض، وفي الآخرة لهم الجزاء الأوفى، ولهم رضوان

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٤٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٤٦٥