تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحقيقة في هذا الموضوع والحق أن هذا الحديث معارض للايتنين .. فالذين ينون بأصول الدين ودلائله القطعية أكثر من الروايات والدلائل الظنية لم يجدوا ما يجيبون به عن هذا التعارض إلا الحكم بعدم صحة الحديث ولو من جهة منه، وفي مقدمتهم أكبر أساطين النظار كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، والغزالي، ووافقهم على ذلك الداودي من شراح البحارى .. وأما الذين يعنون بالأسانيد أكثر من عنايتهم بالمتون، وبالفروع أكثر من الأصول، فقد تكلفوا ما بينا خلاصته عن احفظ حفاظهم

ومن الأصول المتفق عليها انه: ما كل ما صح سنده بكون متنه صحيحا، وما كل ما لم يصع سنده بكون متنه غير صحيح، وإنما يعول على صحة السند إذا لم يعارض المتن ما هو قطعي في الواقع وفي النصوص، وأن القران مقدم على الأحاديث عند التعارض و عدم امكان الجمع .. فمن اطمأن قلبه لما ذكروا من الجمع أو لوجه آخر ظهر له فهو خير له من رد الحديث، ومن لم يظهر له ذلك فلا مندوحة له عن الجزم بترجيح القرآن والتماس عذر لرواة الحديث (1).

وبعد، فقد ذكرنا سبب النزول، أو الحادثة الخاصة التي عنتها هذه الآية، وما قيل في ذلك من كلام وما دار حوله من نقاش .. ولكن دلالة الآية أعم من الحوادث الخاصة، وأسباب النزول، فهي تقرر أصلا من أصول التقدير في نظام الجماعة المكافحة في سبيل العقيدة، وهو عدم التسامح في منح مظاهر التكريم لمن يؤثرون الراحة المسترخية على الكفاح الشاق، وعدم المجاملة في تقدير منازل الأفراد في الصف، ومقياس هذا التقدير هو الصبر والثبات والقوة والإصرار والعزيمة التي لا تسترخي ولا تلين

والنص بعلل هذا النهي في موضعه هنا: (أنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسفون) .. وهو تعليل خاص بعدم الصلاة أو قيام الرسول صلى الله عليه وسلم على قبر منافق، ولكن القاعدة. كما ذكرنا. أوسع من المناسبة الخاصة، فالصلاة والقيام تكريم، والجماعة المسلمة يجب ألا تبذل هذا التكريم لمن يتخلف عن الصف في ساعة الجهاد لتبقى له قيمنه ولتظل فيم الرجال منوطة بما يبذلون في سبيل الله، وبما يصبرون على البذل ويثبتون على الجهد، ويخلصون أنفسهم وأموالهم الله، لا يتخلفون بهما في ساعة الشدة ثم يعودون في الصف مكرمين .. لا التكريم الظاهر بنائونه في أعين الجماعة، وذلك بعدم انتظامهم في الصيف أو الصلاة عليهم أو القيام على قبورهم، ولا التكريم الباطن ينالونه في عالم الضمير، وذلك بترك الإعجاب بأموالهم، وأولادهم.

طبيعة النفاق والضعف والاسنخزاء

وطبيعة الإيمان والقوة والبلاء وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا رنا نكن مع القاعدين، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولذلك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم 3) |

513

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٤٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٤٦٣