وكان صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية لا بصلى على أحد من المنافقين ولا يقوم على قبره كما روى الإمام أحمد بسنده عن أبي قتادة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعى إلى جنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيرا قام فصلى عليها، وإن كان غير ذلك قال لأهلها: وشأنكم بهاء ولم يصل عليها، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يصل على جنازة من جهل حاله حتى يصلى عليها حذيفة بن اليمان، لأنه كان يعلم أعيان المنافقين قد أخبره بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان يقال له صاحب السر الذي لا يعلمه غيره من الصحابة .. وقال أبو عبيد في كتاب الغريب في حديث عمر: إنه أراد أن يصلي على جنازة رجل فمرزه حذيفة، كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها ثم يحكي عن بعضهم أن المرز بلغة أهل اليمامة هو القرص بأطراف الأصابع
وقرائن هذه الآيات دالة على أن المقصود منه صلى الله عليه وسلم من أن يسلى على أحد منهم منعا كليا دائما، وهو نهي للمسلمين جميعا في جميع الأحوال والأزمان آن بصلوا على المنافقين أو بدعوا لهم، وكذلك بقية المشركين يلحقون بهم قياسا .. وسأذكر سبب نزول هذه الآية بعد شرح الآية التالية.
لا اغترار بما يملك احياؤهم فهو عذاب وخسار أولا تعجبك اموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون)
هو تحقير لهؤلاء المنافقين، واستخفاف بما كان لهم في الدنيا من مال وولد. فإن كثيرة هذه الأموال وهؤلاء الأولاد لم تكن مبعث سعادة، ورضى لهم في دنياهم كما يبدو ذلك من ظاهر الحال، ولكنها كانت مثار قلق دائم، وازعاج منصل لهم، لأن عدم إيمانهم بالله واليوم الأخر أرراهم كل الذين بين أيديهم هو في معرض الهلاك والزوال، لا بالتقون به بعد هذه الحياة بل ولا يلتقون بعد أن تحتويهم القبور ويشتمل عليهم التراب، وهم في هذه الحياة بختطفون اللذات اختطافا، ويختلسونها اختلاسا بلا أمل في غد، ولا رجاء فيما بعد غد، وإنهم كلما کثرت أموالهم، وأولادهم كلما ازدادات همومهم وثقلت عليهم مؤونة حراستها، ودفع غائلة العدو الراصد لها ولهم، وهو الفناء الأيدي، والقطيعة القاطعة بينها وبينهم
(وتزهق أنفسهم وهم كافرون) هو من البلاء المسلط عليهم من أموالهم وأولادهم، إذ كانت هذه الأموال والأولاد من الأسباب التي منها الله لتحجبهم عن الإيمان وتقيمهم على طريق الكفر، فيعيشون به ويموتون عليه، إذ كان شغلهم بأموالهم وأولادهم مما أعمى بصيرتهم عن النظر إلى ما وراء الأموال، والأولاد، وفي قوله سبحانه في هذه الآية (وتزهق أنفسهم وهم كافرون) وقوله في الآية التي قبلها: (وماتوا وهم فاسقون) اشارة إلى أن الكفر والفسق من واد واحد، وأن الكافر فاسق، والفاسق كافر، إذ الفسق هو الخروج عن طريق الحق، والمشاقة الله ولرسوله وللمؤمنين، وذلك هو الكفر كله.
وقد تقدمهذا بقصه في السياق .. وبيان حكمة التكرير هو
201